أصبح استخدام أدوات الدردشة الآلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايد الحضور داخل مؤسسات العمل التشريعي، ولم يعد مقتصرًا على قطاعات مثل التعليم أو الاستشارات أو الخدمات القانونية. فبحسب ما رصدته تقارير صحفية، فإن موظفي الكونغرس في الولايات المتحدة يستخدمون منصات مثل ChatGPT وClaude وGrok لأغراض متعددة تشمل البحث وصياغة مسودات أولية وتوليد ملخصات تساعد في تسريع المهام اليومية.
وتتكرر حول هذا الاتجاه مخاوف مرتبطة بالدقة والموثوقية، لا سيما لأن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تُنتج نصوصًا تبدو سليمة لغويًا لكنها تكون غير منطقية أو تحتوي على معلومات غير دقيقة أو مختلقة. ومع غياب آليات رقابة صارمة وموحدة، ترتفع احتمالات تسرب أخطاء من داخل عملية الصياغة إلى الوثائق الرسمية.
## مخرجات غير منطقية تصل إلى السجل العام
أحد الأمثلة التي لفتت الانتباه تمثل في حادثة وقعت داخل مكتب إحدى الممثلات في الكونغرس عن ولاية فلوريدا. ففي سياق العمل، جرى نسخ مخرجات من موجه (Prompt) لبرنامج Claude إلى وثائق تتعلق بتفويض الدفاع الوطني، ثم ظهرت في الوثيقة عبارات غير منطقية. من بين العبارات المسجلة صياغات تستنسخ أسلوب الحوار مع النموذج بدل أن تكون محتوى تشريعيًا فعليًا، مثل: “زيادة عوامل محددة في المثال… مطابق لمشروع قانون مجلس النواب رقم 100 (الكونغرس 118)، الساعة 11:25 صباحا؟ رد كلود:”.
هذا النوع من الأخطاء يوضح مشكلة جوهرية: نماذج الذكاء الاصطناعي قد تحافظ على “شكل” النص (الأسلوب والصياغة) لكنها لا تضمن “المعنى” أو “التوافق مع الحقائق”. وعندما تُعامل المخرجات باعتبارها جاهزة للاستخدام، دون مراجعة دقيقة، قد تنتقل الهفوات إلى وثائق رسمية.
## استخدام يومي داخل الكابيتول مع ضوابط محدودة
تُظهر التقارير أن أعضاء وموظفي مجلس النواب ومجلس الشيوخ يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، لكن الإشراف يظل محدودًا. وحتى عندما تُستعمل هذه الأدوات لأغراض تبدو “عادية” مثل كتابة مسودات أو اختصار أفكار أو تحسين صياغة نص موجود، فإن المخاطر تزداد إذا تم اعتماد الناتج مباشرة.
كما أشارت التقارير إلى عدم تسجيل حالات تأديب رسمية حتى في وجود قواعد تُعد استخدامًا غير مطابق لها، وهو ما يعكس فجوة تنظيمية بين الواقع العملي داخل الكونغرس وبين قواعد الاستخدام المعلنة.
## لماذا تبدو الرقابة ضعيفة؟
تعود المخاوف إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها عدم وجود سياسات موحدة على مستوى كل المكاتب، إضافة إلى اختلاف طرق العمل بين الأقسام والفرق البرلمانية. كذلك، فإن سرعة الإنجاز والرغبة في الاستفادة من أدوات توليد النص تدفع بعض الموظفين لاستخدام الذكاء الاصطناعي دون التحقق الكافي من المحتوى.
ومن زاوية أخرى، هناك تحدٍ يتعلق بطبيعة عمل النماذج نفسها: فهي قد “تؤلف” إجابات أو تربط بين تفاصيل غير مترابطة اعتمادًا على أنماط لغوية تعلمتها من بيانات سابقة، مما ينتج نصًا جذابًا لكنه غير صحيح. وعند دمج ذلك في وثائق رسمية—سواء كان خطابًا أو رسالة بريد إلكتروني أو مسودة قانون—قد يختفي الخطأ خلف الصياغة الرسمية ليصعب كشفه مبكرًا.
## موظفون يضعون قواعدهم الخاصة لتقليل المخاطر
أمام هذه الثغرات، اتجه بعض الموظفين إلى وضع ضوابط ذاتية داخل مكاتبهم. ومن أبرز ما ورد عن أحد المساعدين البرلمانيين أنها قررت عدم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة الوثائق من الصفر، واعتمدت أسلوبًا قائمًا على المراجعة البشرية الصارمة. وقد استندت هذه الممارسة إلى قاعدة صادفتها خلال دراستها الجامعية، في ظل غياب قاعدة مماثلة على مستوى الكونغرس.
هذا التوجه يطرح درسًا مهمًا: حين لا توجد سياسة مؤسسية واضحة، تصبح “المسؤولية الفردية” خط الدفاع الأخير. لكن الاعتماد على الاجتهاد الشخصي وحده قد لا يكفي لضمان الاتساق والحد من الأخطاء عبر مختلف المكاتب والفرق.
## الحاجة إلى أطر تنظيمية أقوى
تُعد هذه التطورات نتيجة مباشرة لاتساع تبني الذكاء الاصطناعي داخل مؤسسات الدولة، كما أنها تعكس أن النقاش الحالي حول القواعد الفيدرالية قد يظل مفتوحًا لفترة—خصوصًا مع استمرار توظيف الأدوات في مهام حساسة مثل صياغة التشريعات.
ولتعزيز الاعتمادية وتقليل احتمالات تسرب معلومات مختلقة أو صياغات غير منطقية، عادة ما تكون الحاجة ماسة إلى:
– سياسات موحدة تحدد ما يجوز استخدامه وما لا يجوز، خصوصًا فيما يتعلق بكتابة أجزاء قانونية أو إدراج محتوى جاهز.
– متطلبات تحقق إلزامية من الحقائق والمراجع قبل إدراج أي نص مستخرج من نموذج ذكاء اصطناعي.
– تدريب للموظفين على فهم محدوديات النماذج وكيفية اكتشاف “الهلوسة” اللغوية والمعلومات غير الدقيقة.
– آليات تدقيق داخلية تضمن أن أي محتوى تولده الأدوات يمر عبر مراجعة بشرية قبل اعتماده في السجلات أو الوثائق الرسمية.
في النهاية، يوضح المشهد أن الذكاء الاصطناعي قد يمنح سرعة في الصياغة والبحث، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر تتعلق بالموثوقية والمسؤولية القانونية—وهي مخاطر تتطلب رقابة أقوى وتدابير تنظيمية أكثر وضوحًا داخل الكونغرس.

التعليقات