يشير الدكتور عبد الرحيم ريحان، الخبير الآثري، إلى أن ما يُعرف بـطريق حورس الحربي لم يكن طريقًا واحدًا بالمعنى التقليدي، بل كان نظامًا متكاملًا امتد عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وضم شبكة من الطرق ومسارات العبور، إلى جانب تحصينات وأديرة ذات وظيفة دفاعية، ومواقع بحرية وبِرِّية، ارتبطت بالحركة العسكرية والتجارة والإدارة الإقليمية.
يوضح ريحان أن ملامح هذا النظام لا تتحدد بمرحلة بعينها؛ إذ تُظهر الأدلة التاريخية والأثرية أن التحصينات والارتباطات الدفاعية استمرت حتى العصر البيزنطي. ففي تلك الحقبة، ظهرت حصون وأُنشئت منشآت دينية ذات طابع عسكري، بهدف تأمين سيناء وممراتها وحماية خطوط الاتصال المرتبطة بتجارة المنطقة. ومن أبرز الأمثلة التي تُستشهد بها في هذا السياق دير سانت كاترين، والذي كان يُعرف في الأصل باسم دير طور سيناء، بما يعكس تداخل البُعد الديني مع الوظيفة الدفاعية.
أما في العصر الإسلامي، فيؤكد الخبير الآثري أن الأهمية العسكرية لسينا لم تتراجع، بل اتخذت أشكالًا تنظيمية جديدة. فقد برزت طرق حربية أكثر ارتباطًا بمراكز السلطة والتحكم في الطرق، من بينها طريق صدر وأيلة الذي ارتبط بتحركات صلاح الدين الأيوبي. كما تُشير الروايات والمعطيات الميدانية إلى إنشاء قلاع وحصون عززت القدرة الدفاعية في نقاط استراتيجية، ومن هذه المنشآت ما يُذكر عن قلعة الجندي وقلعة صلاح الدين في جزيرة فرعون بطابا، بما يدل على اعتماد سياسة دفاعية تستند إلى السيطرة على الممرات والمنافذ.
ويلفت ريحان إلى أن الاكتشافات الأثرية في تل أبو صيفي تمثل إضافة نوعية لفهم تاريخ المنطقة؛ إذ تساعد على استنتاج طبيعة الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها سيناء، كما تقدم مؤشرات على طبيعة النشاط العسكري والتنظيم الإداري خلال فترات مختلفة. وترى هذه القراءات أن تل أبو صيفي قد يحمل دلالات تتجاوز كونه موقعًا تقليديًا، ليصبح جزءًا من لوحة أوسع تربط بين الحركة والجغرافيا والاستراتيجية.
وبحسب ما يطرحه ريحان، فإن هذه المعطيات قد تتيح إعادة النظر في سردية تاريخ الحياة العسكرية المصرية القديمة عبر توسيع نطاق المقارنة بين المواقع والطرق والتحصينات. فمن خلال الربط بين مسارات العبور والمواضع الدفاعية والوظائف المدنية والعسكرية، يمكن للباحثين أن يعيدوا بناء فهم أكثر دقة لكيفية تشكّل شبكات السيطرة في سيناء، وكيف تطورت استراتيجيات الدفاع مع تغير القوى السياسية وتبدل أنماط التجارة والتهديدات.
وتتزامن هذه النتائج مع أهمية مواصلة أعمال التنقيب والدراسة المتخصصة، بما يشمل توثيق الطبقات الأثرية وتحليل بقايا المنشآت وتحديد تواريخ الاستعمال، وصولًا إلى فهم أدق لدور تل أبو صيفي في حركة التاريخ العسكري بالمنطقة.

التعليقات