تشهد صناعة الدواء في مصر خلال السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا مدعومًا بتوجه الدولة نحو توطين التصنيع وزيادة قدرات المصانع المحلية، بما ينعكس على تحسين توفر الأدوية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خصوصًا في الأدوية الحيوية والاستراتيجية. ويؤكد مسؤولو القطاع أن المنتج المحلي لم يعد منافسًا فقط من حيث السعر، بل يقترب أيضًا من معايير الجودة المعتمدة عالميًا.
## الإنسولين المحلي أرخص بنسبة كبيرة
أوضح الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرف التجارية، أن صناعة الدواء المصرية تطورت بصورة ملحوظة خلال السنوات الماضية، وأن المنتجات المحلية تتمتع بجودة مرتفعة وأسعار تنافسية مقارنة بالبدائل المستوردة. وأشار إلى أن سعر الإنسولين المحلي يقل عن المستورد بنحو 40% إلى 50%، وهو ما يوفر عبئًا ماليًا أقل على المرضى ويضمن استمرار العلاج بأسعار أكثر ملاءمة.
ويبرز هذا التوجه أهمية دعم الصناعة المحلية، إذ يترافق انخفاض السعر مع توافر بدائل قادرة على تلبية احتياجات السوق، بدلًا من الاعتماد على منتجات مستوردة قد تتأثر بتقلبات التكاليف أو القيود على العملة الصعبة.
## إنجازات مصر في الأدوية الحيوية
ربط الدكتور عوف بين تطور الصناعة المحلية ونجاح مصر في تنفيذ برامج صحية كبرى، مشيرًا إلى أن البلاد نجحت في القضاء على فيروس سي عبر استخدام منتج دوائي محلي بنسبة نجاح بلغت نحو 99.5%، مع حصول مصر على تقدير من منظمة الصحة العالمية لهذا الإنجاز.
كما لفت إلى أن المصانع المصرية تمتلك إمكانات تكنولوجية وتصنيعية متقدمة، إلى جانب كوادر بشرية مؤهلة، وتنتج مستحضرات دوائية بمستويات جودة تضاهي المعايير العالمية، ما يعزز الثقة في المنتج المحلي ويزيد قدرته على المنافسة.
## دعم ألبان الأطفال بـ25 مليون عبوة
ضمن جهود الدولة لدعم قطاعات الصحة، تناول رئيس شعبة الأدوية برنامج دعم ألبان الأطفال، حيث تتحمل الدولة جزءًا كبيرًا من تكلفة المنتجات لتقديمها للمواطنين بأسعار مدعمة. ووفقًا للطرح، يتم طرح إحدى عبوات الألبان المدعمة بنحو 5 جنيهات، رغم أن تكلفة إنتاج العبوة تتجاوز 150 جنيهًا.
ويستهدف الدعم نحو 25 مليون عبوة، بما يعكس حجم الإنفاق الحكومي لضمان توفير منتجات تغذية أساسية بأسعار مناسبة للفئات المستحقة.
## توضيح تصريح وزير الصحة حول الإنسولين
وفي سياق ما أثير خلال الفترة الماضية من تصريحات حول الإنسولين، أوضح الدكتور بهي الدين مرسي، الاستشاري بكلية طب قصر العيني، أن بعض المواقع تناولت جزءًا من تصريح وزير الصحة دون عرض كامل عباراته. وذكر أن وزير الصحة قال: «لن أشتري مزيدًا من الإنسولين بالعملة الصعبة طالما يوجد لدينا البديل المحلي»، مؤكدًا أن الهدف هو تعزيز الاعتماد على الإنتاج الوطني متى توفرت القدرة التصنيعية والبدائل.
ويأتي هذا التوضيح لتأكيد الصورة الكاملة لقدرات مصر في تصنيع الدواء، وللتأكيد على أن الاعتماد على المحلي لا يعني غياب الجودة، بل خضوع المنتج لقواعد تنظيمية ومعايير تصنيع.
## مدينة الدواء: إنتاج متعدد الأنواع وتصدير إقليمي
أضاف الدكتور بهي الدين مرسي أن مدينة الدواء وفرت بدائل للمصريين بدلا من الاعتماد على استيراد الإنسولين من دول مثل الأردن والسعودية والاتحاد الأوروبي. وأشار إلى أن مدينة الدواء الموجودة في منطقة الخانكة بمحافظة القليوبية أنتجت نحو 200 صنف دوائي، مبينًا أن الإنسولين يُعد صنفًا واحدًا ضمن مجموعة كبيرة من المنتجات، إلا أن المدينة قامت بتوفير نحو 12 نوعًا من الإنسولين ضمن نطاق عملها.
كما أكد أن مدينة الدواء تصدر نحو 300 مليون علبة دواء إلى أفريقيا والعالم العربي، مشيرًا بذلك إلى أن مصر لا تكتفي بالسوق المحلي بل تمتلك حضورًا تصديريًا متزايدًا في المنطقة.
## توافر المادة الخام وتطبيق قواعد الجودة
أكد الاستشاري أن المادة الخام للإنسولين متاحة لمدينة الدواء وللدول التي تقوم بتصنيعه، وأن مصر تقوم بإنتاج الدواء بعد الحصول على المادة الخام وفق القواعد والاشتراطات المنظمة للصناعة. ويُعد هذا جانبًا محوريًا لأن جودة المنتج النهائي ترتبط بجودة سلسلة التوريد والالتزام بمعايير التصنيع.
## لا فرق جوهري في الجودة عند الالتزام بالاشتراطات
وشدد الدكتور بهي الدين مرسي على أن الإنسولين المحلي والمستورد يمكن أن لا يكون بينهما فارق جوهري من حيث الجودة، طالما تم تصنيع المنتج وفق القواعد المعتمدة لتصنيع الأدوية والاشتراطات التنظيمية. ويعني ذلك أن التركيز يجب أن يكون على الالتزام بمعايير الجودة والسلامة الدوائية، وهو ما يتيح للمنتج المحلي منافسة حقيقية ويعزز الاستقرار الدوائي للمواطنين.
في المحصلة، تعكس هذه التطورات مسارًا واضحًا نحو تقوية “مدينة الدواء” وسلاسل الإمداد والتصنيع المحلي، بما يساهم في توفير الدواء بأسعار مناسبة وتقليل فاتورة الاستيراد، ويعزز الأمن الدوائي والصحة العامة على المدى الطويل.

التعليقات