قال باتريك ثيروس، الدبلوماسي الأمريكي السابق، إنه ليس مقتنعًا بأن الدعم الأمريكي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) قد تراجع بشكل حاد أو أنه يتجه تلقائيًا إلى الانهيار، معتبرا أن ما يجري يمكن فهمه جزئيا من خلال شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخطابه تجاه أوروبا، وبخاصة ما يتعلق بتصوراته تجاه كيفية تعامل الأوروبيين مع كلفة الحماية العسكرية الأمريكية.
وأوضح ثيروس أن ترامب كان يكرر خلال مراحل حملته الانتخابية فكرة أن الأوروبيين، على ما يبدو، يستفيدون من مزايا الحماية دون أن يتحملوا العبء المالي الكافي، باعتبار أن الولايات المتحدة تقدم دعما أمنيا مقابل منظومة دفاع ما زالت في نظره غير ممولة بالمستوى المطلوب. وأشار إلى أن هذا المنطق لا يرتبط فقط بالموقف من الناتو، بل أيضا بطريقة تفكير ترامب مع قاعدته الانتخابية التي تميل إلى اعتبار الإنفاق الدفاعي الأمريكي استثمارا يجب أن يقابله التزام مماثل من الحلفاء.
وأضاف خلال مداخلة في برنامج «ملف اليوم» على قناة القاهرة الإخبارية، أن كثيرًا من الدول الأوروبية بعد نهاية الحرب الباردة خففت تدريجيا من وتيرة الإنفاق على الدفاع مقارنة بما كانت تحتاجه فعليا لمواجهة التهديدات المتغيرة. واعتبر أن نظرة ترامب لهذا الواقع تتمحور حول أن الوضع غير مقبول، وأن على أوروبا أن تتحمل مسؤوليتها بصورة أكبر بدل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.
وفي هذا السياق، رأى ثيروس أن الرئيس ترامب—إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين—كانا من أبرز العوامل التي ساهمت في دفع الأوروبيين إلى اتخاذ خطوات لرفع ميزانيات الدفاع، لأن التحركات الروسية والعوامل الأمنية المتصاعدة أعادت إحياء قناعة لدى العواصم الأوروبية بضرورة الاستثمار في القدرات العسكرية والجاهزية.
وبخصوص العلاقة بين ترامب وحلف الناتو، أكد ثيروس أن الرئيس الأمريكي يبدو، من خلال سلوكه وخطابه، وكأنه يحاول إبعاد نفسه عن الحلف أو تقليص انطباعات الاعتماد الدائم عليه. غير أنه رجح احتمالين: إما أن ترامب يفضل فعلا سياسة أكثر استقلالا أو يضغط باتجاه إعادة تعريف دور الولايات المتحدة داخل الحلف، وإما أنه لا يدرك—بالقدر الكافي—الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها الناتو للولايات المتحدة، باعتباره منصة للتنسيق الدفاعي وردع التهديدات وتبادل المعلومات، إضافة إلى دوره في تعزيز الاستقرار في مناطق متقدمة من الجغرافيا الأوروبية والأطلسية.
ولتعزيز الصورة، يمكن القول إن النقاش حول الناتو في السنوات الأخيرة اتخذ منحى جديدا؛ إذ تزايدت المطالب بتقاسم عادل للتكاليف، وارتفعت قيمة القدرات المشتركة مثل الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، والجاهزية السريعة، في ظل تحديات تشمل تهديدات هجينة، وعدم استقرار إقليمي، وسباقات تسلح وتحولات تكنولوجية. كما أن استمرار عضوية الولايات المتحدة في بنية الناتو—سياسيا وعسكريا—يظل عنصرا مؤثرا في قرارات الحلفاء، حتى مع وجود اختلافات في أسلوب القيادة أو في مستوى الحماس تجاه الالتزامات المتبادلة.
وشدد ثيروس في حديثه على أن قراءة التطورات الحالية تتطلب التمييز بين خطاب سياسي قد يبدو حادا وبين مسار الدعم الفعلي، لأن أي تحولات داخل الناتو لا تظهر غالبا بصورة فورية، بل تتجسد عبر ميزانيات، وبناء قدرات، وتعديلات في الاستراتيجية المشتركة، وعبر استمرار التعاون الاستخباراتي والتدريبات العسكرية بين الدول الأعضاء.

التعليقات