قال الدكتور صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، إن الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية والقدس باتا يكرسان مسارًا متقدمًا من سياسة الضم والتفكيك والتجزئة للأراضي الفلسطينية، بما يغيّر معالم الأرض والهوية الجغرافية والديموغرافية، لا سيما في مدينة القدس.
وأوضح عبد العاطي أن الاحتلال ينتقل من مرحلة ما سماه «الضم الزاحف» إلى «الضم الدائم»، عبر استكمال السيطرة على الأرض ومصادرة مساحات متزايدة، وربطها بمنظومات تخطيط وتشريعات وإجراءات على الأرض تُفقد الفلسطينيين إمكانية التوسع الطبيعي أو ممارسة حقوقهم على نحو متصل. ولفت إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على البناء داخل المستوطنات، بل يمتد إلى خلق وقائع ميدانية تجعل الأراضي الفلسطينية أكثر قابلية للابتلاع والاستغلال والاستبدال.
وأضاف في مداخلة مع الإعلامية داما الكردي عبر قناة «القاهرة الإخبارية» أن المستوطنين باتوا أداة أساسية لتهجير الفلسطينيين، وأن التهجير القسري يجري غالبًا ضمن نمط يسمح باستمرار الاعتداءات ويحمي منفذيها. وأشار إلى أن تهجير أكثر من 60 ألف فلسطيني خلال السنوات الثلاث الأخيرة جرى وفق هذا السياق، بما في ذلك تنفيذ الاعتداءات تحت حراسة ومرافقة قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، ما يفاقم مناخ الخوف ويقوض فرص البقاء في التجمعات الفلسطينية.
وبيّن عبد العاطي أن الحكومة الإسرائيلية تعمل—وفق برنامج أعلنته منذ سنوات—على تحويل الضفة الغربية إلى ساحة لمنع أي مستقبل سياسي يسمح بقيام دولة فلسطينية مستقلة. وقال إن هذا المخطط يقوم على تعطيل إمكانية قيام الدولة عبر تكثيف السيطرة الميدانية، وتوسيع المستوطنات، وتقييد حركة السكان والموارد، وتقويض البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل أساسًا لأي حياة مدنية مستقلة.
وأكد أن أخطر ما في المشروع هو تراكم الانتهاكات دون ردع حقيقي، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي—رغم صدور الإدانات—غالبًا ما يكتفي بالمطالبات والمناشدات، دون اتخاذ إجراءات ملزمة توقف الانتهاكات أو تعاقب المسؤولين عنها. وأوضح أن إفلات إسرائيل من العقاب يُعد عاملًا حاسمًا سمح باستمرار جرائم الإبادة في قطاع غزة، كما أسهم في استمرار جرائم الاستيطان واعتداءات المستوطنين على المواطنين في الضفة الغربية.
وشدد رئيس الهيئة الدولية على ضرورة الانتقال من مرحلة «الإدانة» إلى مرحلة «الردع»، ومن مرحلة «التوثيق» إلى «المساءلة»، ومن المقاطعة الرمزية—إن وجدت—إلى خطوات عملية تؤدي إلى ضغط فعلي. ودعا إلى تحويل مقاطعة بضائع المستوطنات إلى إجراءات اقتصادية وسياسية مؤثرة، تتضمن مساءلة الشركات والجهات المتورطة، مع ضمان توفير حماية ملموسة للفلسطينيين ورفع كلفة الاعتداء على المعتدين.
كما شدد على أهمية إنهاء الانقسام الفلسطيني، معتبرًا أن دولة الاحتلال تستفيد من الانقسام لتكريس الوقائع على الأرض وإدارة الصراع بما يخدم مصالحها، بدلًا من مواجهة موحدة تضمن حماية الحقوق. وأكد في هذا السياق أن بناء استراتيجية عربية متماسكة يجب أن يستند إلى قرارات المقررات التي جرى بحثها في اجتماع الأردن، وبما يتقاطع مع ما تحدث عنه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي حول ضرورة الانتقال من الإدانات إلى خطوات عملية لمحاسبة إسرائيل على تفلتها من التزامات اتفاقات غزة واستمرار جرائم الاستيطان.
ولتعزيز هذا المسار، دعا عبد العاطي إلى خطوات تشمل: دعم الحماية الدولية للفلسطينيين، تفعيل أدوات المساءلة عبر القانون والجهات المختصة، توسيع المقاطعة الفاعلة للمنتجات المرتبطة بالاستيطان، والعمل على تجفيف مصادر التمويل والدعم غير المباشر للمشاريع الاستيطانية، إضافة إلى تعزيز التضامن الشعبي والرسمي الذي يهدف إلى قطع الطريق أمام سياسات الضم والتجزئة.
وختم بأن المواجهة الحقيقية ليست في البيانات المتكررة فقط، بل في تحويل القلق إلى فعل دولي وإقليمي وإسناد فلسطيني موحد قادر على كسر منطق الإفلات من العقاب، وحماية الأرض والإنسان وحقوقه السياسية والقانونية في الضفة الغربية والقدس.

التعليقات