التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، أن إنشاء مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية داخل العاصمة الإدارية الجديدة، والمعروف إعلاميًا باسم “الأوكتاجون”، يمثل حلقة متصلة من مسار تاريخي طويل شهدته مصر في إدارة الحكم وتطوير البنية المؤسسية وفقًا لمتطلبات استراتيجية متجددة. وأوضح شقرة خلال حديثه ببرنامج “بالورقة والقلم” على فضائية “Ten” أن انتقال مركز القرار وتحديث مقار مؤسسات الدولة عبر العصور لم يكن قرارًا إداريًا فحسب، بل جاء استجابة لتحديات واحتياجات تمس أسلوب إدارة الدولة وحفظ أمنها واستمرارية مؤسساتها.

وذكر أن الدولة غيّرت عاصمتها لأكثر من عشرين مرة على مدار التاريخ، وأن هذا التغير يرتبط عادةً بظروف تتعلق بالأمن والموارد وإدارة شؤون البلاد. كما أشار إلى أن نقل مقر الحكم في عهد الخديو إسماعيل من قلعة صلاح الدين إلى قصر عابدين كان من ضمن هذه الاستجابات التطويرية التي تهدف إلى تحسين كفاءة الحكم وملاءمة البنية السياسية والإدارية للمرحلة.

وأضاف الدكتور شقرة أن العاصمة الإدارية الجديدة بما تضمّه من منشآت استراتيجية—وفي مقدمتها مقر وزارة الدفاع والقيادة الاستراتيجية—تعكس توجهًا يهدف إلى بناء منظومة عسكرية وإدارية أكثر تطورًا بما يتوافق مع أحدث النظم العالمية في التخطيط وإدارة الأزمات. وأوضح أن وجود مقر متقدم للقيادة الاستراتيجية لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يرتبط بتجميع القدرات وتنسيق المهام وتعزيز سرعة اتخاذ القرار، بما يساعد على مواجهة التحديات المتغيرة داخليًا وخارجيًا.

كما رأى أن مشروع “الأوكتاجون” يتصل بالرؤية الشاملة التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن بناء “الجمهورية الجديدة”، باعتباره جزءًا من منظومة أوسع تشمل تحديث أجهزة الدولة وتطوير البنية التحتية وتعزيز القدرة التنظيمية للدولة. وفي هذا السياق، شدد على أن حجم المشروعات المنفذة خلال السنوات الأخيرة يعكس سمات مرحلة مختلفة في مسار مصر الحديث.

ولفت شقرة إلى أن من بين ملامح هذه المرحلة: تنفيذ مشروعات كبرى في شبكات الطرق والأنفاق، وإقامة مدن جديدة تستوعب النمو السكاني، فضلًا عن خطط تنمية في سيناء، في ظل تزايد عدد السكان الذي تجاوز عتبة المائة مليون نسمة. وأشار إلى أن هذه المؤشرات مجتمعة تعيد رسم “شخصية مصر الجديدة” مقارنة بالصورة التي كانت تتداولها المراجع التاريخية التقليدية، عبر التركيز على بناء مؤسسات أكثر جاهزية واستجابة.

وعن الجانب الاجتماعي والإداري، تحدث أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر عن أن مسيرة الإصلاح الاقتصادي وما تفرضه من أعباء على المواطنين تحمل في الوقت نفسه هدف تطوير الدولة وتحسين كفاءة عملها على المدى المتوسط والبعيد. وأكد أهمية تسليط الضوء على إنجازات المرحلة دون إغفال معالجة التحديات، خصوصًا ملف الفساد.

وفي ختام حديثه، دعا الدكتور جمال شقرة إلى مواصلة مواجهة الفساد وتعزيز الوعي العام بأضراره، مشيرًا إلى أن ذلك عنصر أساسي لضمان استدامة جهود التنمية وتحقيق نتائجها. كما شدد على دور الإعلام في تناول هذه القضايا بصورة متوازنة، بحيث يساهم في نشر المعلومات الصحيحة حول ما تحقق من إنجازات، وفي الوقت نفسه يدعم الحوار المجتمعي حول سبل تطوير الأداء المؤسسي والرقابي داخل الدولة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *