كشف الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، الفرق بين “الراحة الطبيعية” التي يحتاجها الإنسان لاستعادة طاقته وبين “الكسل والتسويف” عندما يتحولان إلى عائق أمام الإنجاز والإنتاج، مؤكدًا أن التسويف قد يكون نتيجة تداخل عوامل نفسية أو جسدية أو مرتبطة بنمط حياة الفرد.
وأشار د. هندي خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية نهاد سمير في برنامج “صباح البلد” على قناة “صدى البلد” إلى أن الإحباط بعد الفشل، وضعف التحفيز، وعدم تقدير قيمة الوقت، إضافة إلى بعض المشكلات الصحية، قد تدفع الشخص للهروب من المهام أو تأجيلها بشكل متكرر. ولفت إلى أن الاستخدام غير المدروس للسوشيال ميديا قد يصبح عاملًا مساعدًا لما وصفه بـ“عمى الوقت”، حيث يتشتت التركيز بين المحتوى السريع، فتضعف القدرة على البدء أو الاستمرار.
وأوضح أن الرسالة الأساسية ليست رفض الراحة، بل فهم توقيتها وحدودها. فالموقف الصحي، كما قال، يرتكز على العمل والحركة والإنتاج، مع إدخال الرياضة والمشاركة مع الآخرين كوسيلة لتجديد الطاقة. وأضاف أن الشخص قد يشعر لحظيًا برغبة في الهروب من الملل أو تخفيف ضغط الأفكار المتسارعة داخليًا، وقد يلجأ لإجازة قصيرة نسبيًا لإعادة التوازن، مثل “يومين أو ثلاثة” للتخلص من شحنة سلبية، وإعادة شحذ الهمم وتنظيم الأفكار.
ومن وجهة نظره، يمكن تشبيه الأمر بعادات الصيانة الرقمية: كما يقوم البعض بـ“فورمات” للهاتف أو الكمبيوتر لإزالة التراكم وتحسين الأداء، يمكن للإنسان أن يعيد “تنظيم حياته” بشكل واعٍ. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول البلادة الحسية إلى نمط مستمر، وعندما يمتد الأثر ليؤثر على الإنتاج، أو عندما يصبح التأجيل طويلًا ومتكررًا، ويظهر الشعور بالازدراء الذاتي—أي أن يقتنع الشخص بأنه “كسول” فقط لأنه لا ينجز في فترة ما.
وأكد د. هندي أن التسويف حين يقترن بمؤثرات نفسية سلبية—مثل معول هدم داخل الشخص—قد يعيق التطور والأداء، ويقلل الطموح، ويزيد التذبذب في قراراته وعلاقاته مع من حوله. عندها، كما قال، قد يكون الفرد دخل “الدائرة المظلمة” للكسل.
ولفت أيضًا إلى أن القدرة على الإنجاز خلال اليوم ترتبط بعوامل تتعلق بطبيعة الشخصية ونظرتها للحياة. فالشخصية الإيجابية المتفائلة والنشيطة تميل إلى الاعتقاد بأن الحياة أطول من لحظة التعثر، وأن الوقت ليس قدرًا ثابتًا بل مساحة لصنع أثر. وفي هذا السياق، أشار إلى أن من يملك “فلسفة” واقعية تجاه الحياة لا يكتفي بالتهرب من المسؤوليات، بل يبحث عن بصمة ومعنى حتى وسط ضغوط الحياة.
وأضاف أن الفرق يظهر بوضوح بين من يركز على النجاح الحقيقي وبين من يكتفي بما سماه “نجاح الشو”، كالتعامل مع الإنجازات على أنها محتوى ظاهر فقط—تصوير بهدف لفت الانتباه أو ريلز دون فعل جوهري—على حساب بناء مهارات أو إتمام خطوات عمل حقيقية.
ولإثراء الفكرة، يمكن النظر إلى التسويف كحل مؤقت للمشاعر لا كحل واقعي للمهمة. فغالبًا ما يلجأ الشخص للتأجيل لتجنب مشاعر مزعجة مثل القلق من الفشل، الخوف من عدم الكفاءة، أو الإحساس بثِقل المهمة. لذلك، يصبح علاج التسويف مرتبطًا بتعديل طريقة التعامل مع المهمة نفسها: تقسيمها إلى خطوات صغيرة قابلة للبدء، تحديد وقت بداية واضح بدل انتظار “الدافع”، واعتماد مبدأ الحركة الأولى حتى لو كانت بحد أدنى.
كذلك، من المهم وضع حدود لاستخدام السوشيال ميديا عبر فترات محددة، لأن المحتوى السريع يسرق الانتباه ويصعب العودة للتركيز. ومع الوقت، تتحسن القدرة على الإنجاز عندما يشعر الشخص أن المهام قابلة للتحكم وليست تهديدًا.
في النهاية، شدد د. هندي على أن الراحة حق طبيعي لا يُدان، لكن التحول إلى البلادة المستمرة والتأجيل المتكرر هو ما يحدد دخول الكسل الدائم. الوعي بالمشاعر المحركة للتسويف، وتنظيم الطاقة والوقت، وإبقاء الحركة والإنتاج ضمن الروتين—مع فترات استراحة مدروسة—يساعد على كسر “الدائرة المظلمة” والعودة تدريجيًا للمسار الصحيح.

التعليقات