أكد الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية، أن طرح ما يُعرف بـ«إسرائيل الكبرى» لا يقوم على معطيات واقعية أو اعتبارات سياسية واقتصادية قابلة للاستمرار، مشيرًا إلى أن إسرائيل، رغم تصنيفها ضمن القوى الكبرى عالميًا، لم تنجح في تحقيق أهدافها المعلنة في مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
وفي حديثه خلال لقاء ببرنامج «نظرة» عبر فضائية «صدى البلد» تقديم الإعلامي حمدي رزق، أوضح يوسف أن لدى إسرائيل قدرات عسكرية كبيرة في سياقات القتل والتدمير، لكنها تصطدم بصعوبات جوهرية عند محاولة تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية ملزمة. واعتبر أن قدرة الاحتلال على فرض إرادته لا ترتبط فقط بالقوة، بل تتأثر بعوامل سياسية واستراتيجية متغيرة، وبطبيعة الصراع ذاته بوصفه صراع احتلال طويل الأمد.
وأضاف أن صمود المقاومة الفلسطينية في غزة كشف عن أن الاعتماد على التفوق العسكري وحده لا يكفي لبلوغ أهداف سياسية بعيدة المدى. فحتى مع الفارق الكبير في الإمكانات، ومع عدم وجود دعم عسكري خارجي مباشر كما يحدث عادة في صراعات بين جيوش نظامية، برهنت المواجهات أن القوة العسكرية قد تحقق نتائج ميدانية مؤقتة، لكنها لا تضمن كسر الإرادة السياسية أو تحقيق نتائج استراتيجية دائمة.
كما شدد على أن المواجهة أظهرت حدود «الحسم العسكري» في النزاعات التي تمتلك فيها المقاومة عمقًا شعبيًا وقدرة على الاستمرار والتكيف، وأن خصائص الأرض وطبيعة العمليات العسكرية وطول أمد الصراع تلعب دورًا حاسمًا في تقويض حسابات الاحتلال. ومن هنا، أكد أن أي مشروع توسعي أو طموح سياسي كبير لا يمكن أن يبنى على القوة العسكرية بمعزل عن حسابات التاريخ والواقع والتحولات الإقليمية.
وفي السياق نفسه، دعا يوسف إلى معالجة نقاط الضعف عربيًا، والعمل على دعم مسار الوحدة الوطنية الفلسطينية، بوصفه مدخلًا ضروريًا لزيادة القدرة على إدارة الصراع وحماية الحقوق. ورأى أن امتلاك القرار العربي المشترك يظل عاملًا فارقًا، لافتًا إلى أهمية عقد قمة عربية قادرة على اتخاذ قرارات مؤثرة وحاسمة، لا تقتصر على بيانات عامة، بل تتضمن مسارات تنفيذ واضحة.
واستشهد بتجربة قمة الخرطوم عام 1967، والتي اعتبر أنها جسدت لحظة توافق عربي حول استراتيجية مشتركة ودعم دول المواجهة لإعادة بناء قدراتها، بما يشير—بحسب رؤيته—إلى أن الفعل العربي المنظم يمكن أن يغيّر موازين القوة على المدى المتوسط ويحد من تأثير التحديات العسكرية.
النفوذ الأمريكي وتبدّل ميزان القوى
تابع يوسف أن تراجع النفوذ الأمريكي بدأ منذ محطات اعتُبرت اختبارًا لقدرة هذا النفوذ على تحقيق أهدافه، مثل تجارب المقاومة العراقية والحرب في أفغانستان، ثم جاءت التطورات اللاحقة ومنها المواجهة مع إيران لتعمّق هذا الاتجاه بعد فترة شهدت فيها الولايات المتحدة ذروة قوتها.
وأوضح أن هذا التراجع لا يعني غياب التأثير بالكامل، لكنه يعكس صعود عاملين رئيسيين: الأول أن تكاليف التدخلات والصدامات الطويلة ترتفع، والثاني أن مقاومات وحكومات وشعوبًا قادرة على الصمود تغيّر معادلات الصراع. وبهذا المعنى، تصبح مشاريع السيطرة أو التوسع أكثر هشاشة أمام تحديات الواقع الميداني والسياسي.
وختم يوسف بتأكيد أن فهم حدود القوة العسكرية الإسرائيليّة يتطلب النظر إلى ما وراء المعارك، والتركيز على بنية الصراع ومآلاته السياسية، وعلى قدرة الشعوب المعنية—وخاصة الشعب الفلسطيني—على الاستمرار والدفاع عن الأرض والحقوق، وعلى ضرورة أن تتحول المعالجات العربية إلى خطط عملية تعزز التكافل وتدعم الوحدة وتزيد أوراق التأثير أمام التحديات الكبرى.

التعليقات