يعمل فريق بحثي جامعي أمريكي بقيادة الدكتور يانيس ليفينديس، الأستاذ في جامعة نورث إيسترن، على تطوير نموذج أولي لروبوت مخصص لمكافحة حرائق الغابات باستخدام النيتروجين السائل. الفكرة الأساسية هي توظيف خصائص النيتروجين عند درجات الحرارة شديدة البرودة لإخماد النيران بسرعة، مع تقليل الأضرار البيئية مقارنة بطرق الإطفاء التقليدية.
وتعود جذور المشروع إلى عام 2008، حين كان ليفينديس يجرّب داخل مختبره حرق فتات المطاط ضمن سياق البحث عن بدائل للفحم. وفي إحدى التجارب، تم سكب كمية من النيتروجين السائل على اللهب، فانطفأت النار فوراً. من هذه الملاحظة تطور التفكير إلى مشروع يستهدف إنشاء روبوت قادر على التقدم داخل مناطق حرائق الغابات وإخمادها في مراحلها المبكرة قبل أن تتسع.
## لماذا النيتروجين السائل؟
تشكل حرائق الغابات تحدياً بيئياً وأمنياً كبيراً، وتشهد الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة مواسم حرائق متقلبة وطويلة. وتعتمد عمليات الإطفاء غالباً على إسقاط كميات ضخمة من المياه من الجو أو استخدام مواد كيميائية مثبطة للهب. لكن هذه الخيارات قد تكون محدودة بفعالية التبخر السريع للمياه، كما قد تثير بعض المواد الكيميائية المخاوف البيئية عند وصولها إلى مصادر المياه أو تأثيراتها غير المباشرة على النظم البيئية.
في المقابل، يتميز النيتروجين السائل بآليتين متكاملتين عند ملامسته للنار:
– **إزاحة الأكسجين بسرعة**: عند ملامسته اللهب يتمدد النيتروجين ويتحوّل إلى غاز، ويزداد حجمه بحوالي **1000%** خلال لحظة، ما يقلل توفر الأكسجين حول مصدر الاشتعال.
– **تبريد شديد لوقف الاشتعال**: يخفض النيتروجين درجة حرارة الأسطح القابلة للاحتراق مثل إبر الصنوبر والشجيرات والأعشاب الجافة إلى ما دون الصفر، مما يحد من استمرار الاحتراق.
ومن نقاط القوة أيضاً أنه عند تبخر النيتروجين لا يترك آثاراً كيميائية مباشرة مرتبطة بطريقة الإخماد، ما يجعله خياراً واعداً ضمن نهج أكثر “نظافة” بيئياً.
## روبوت مجنزر للاستطلاع والإخماد
لتطبيق الفكرة عملياً، تم تصميم نظام يتيح توصيل النيتروجين السائل إلى مواقع الحرائق دون تعريض رجال الإطفاء للخطر. تم تطوير النموذج الأولي بالتعاون مع طلاب الهندسة هايدن هيشمه وأوبو ليو، وببدء دعم من مؤسسة جوردون وبيتي مور.
يبدو الروبوت كنظام حاوية كبيرة **مثبتة على جنزير مخصص لجميع التضاريس**، ويضم خزانات وخراطيم مصممة لتحمل الظروف الناتجة عن التبريد الشديد. وتتمثل وظيفة الروبوت هنا في عدم “مواجهة” الحرائق الضخمة مباشرة، بل العمل كحل تكتيكي يركز على:
– **الاستطلاع والوصول** إلى المواقع الخطرة التي يصعب على البشر دخولها.
– **إخماد النقاط الساخنة** والحرائق الصغيرة بدقة قبل أن تتحول إلى تهديد أكبر.
– **العمل بشكل مستقل أو عبر التحكم عن بعد** حسب سيناريو الحريق وتقييم السلامة.
ويرى فريق المشروع أن هذا النوع من الروبوتات يتيح تغيير قواعد اللعبة في إدارة الحرائق: إرسال الروبوت إلى المناطق الخطرة، بحيث تكون الخسارة في أسوأ الأحوال محدودة بتكلفة الجهاز فقط دون خسارة بشرية.
## اختبارات ومحاكاة واقعية وخطوة نحو منظومة أوسع
يخضع النموذج الأولي حالياً لاختبارات مكثفة داخل بيئات حرائق يتم التحكم فيها، بهدف محاكاة ظروف واقعية في مناطق من غرب الولايات المتحدة. وتهدف الاختبارات إلى تقييم كفاءة الإخماد، والقدرة على الحركة عبر تضاريس وعوائق مختلفة، واستقرار نظام التوصيل للنيتروجين السائل.
لكن طموح الفريق لا يقف عند تصميم روبوت صغير مجنزر فقط. فهناك توجه مستقبلي لتوسيع المفهوم عبر دمج خزانات تبريد كبيرة تعمل بالنيتروجين السائل ضمن **شاحنات إطفاء** أو مركبات تدخل على خطوط النار، بما يسمح ببناء “أسطول” يجمع بين:
– وحدات روبوتية صغيرة للتقدم السريع والاستطلاع.
– ومعدات أكبر توفر كميات أكبر من التبريد لإدارة نطاق أوسع من الحرائق.
وبمرور الوقت، يمكن أن يساهم هذا النهج في دعم التكتيكات الميدانية التي تعتمد على السيطرة المبكرة ومنع الامتداد، وتقليل الاعتماد على كميات هائلة من المياه أو المواد الكيميائية.
## خلاصة الفكرة
يقدم روبوت إطفاء حرائق الغابات بالنيتروجين السائل نموذجاً عملياً لفكرة “إطفاء أكثر ذكاءً” عبر تقليل تعريض البشر للخطر وتوظيف تبريد وإزاحة الأكسجين لإخماد الاشتعال. وإذا نجحت نتائج الاختبارات، فقد يتحول النيتروجين السائل من تقنية مخبرية إلى عنصر مهم ضمن حلول حديثة لمكافحة الحرائق تجمع بين الاستقلالية الميدانية والاعتبارات البيئية.

التعليقات