أثار ترويج طبي مُضلِّل حول إمكانية علاج السرطان عبر بيكربونات الصوديوم أو من خلال تغيير النظام الغذائي جدلاً واسعاً، ما دفع النقابة العامة للأطباء في مصر للتدخل ووقف دورة تدريبية كانت تعتزم تقديمها الأسترالية باربرا أونيل. وتأتي هذه الخطوة بعد اتهامها بالترويج لادعاءات طبية لا تتوافق مع المعايير العلمية المعتمدة، خصوصاً الادعاء بأن السرطان “مرض فطري” يمكن علاجه ببيكربونات الصوديوم أو عبر تعديلات غذائية.
وأكدت النقابة في بيان رسمي أن باربرا أونيل غير حاصلة على ترخيص لمزاولة الطب في مصر، كما أنها ممنوعة مدى الحياة من تقديم أي خدمات أو استشارات صحية في أستراليا بعد تحقيقات رسمية انتهت إلى أنها قدمت معلومات صحية مضللة وغير مدعومة بالأدلة العلمية.
وفي السياق ذاته، شدد استشاريون وخبراء علاج الأورام على أن هذه الادعاءات قد تكون خطيرة على المرضى، لأنها قد تدفع بعضهم إلى تأخير أو استبدال العلاج المعتمد بعلاجات غير مثبتة، بما ينعكس سلباً على فرص السيطرة على المرض.
ما هي بيكربونات الصوديوم؟
بيكربونات الصوديوم (Sodium Bicarbonate)، والمعروفة شعبياً بـ“بيكربونات الخبز”، هي مادة تُستخدم طبياً في حالات محددة وتحت إشراف طبي، مثل علاج بعض حالات الحموضة الشديدة في الدم وبعض حالات التسمم والاضطرابات الاستقلابية التي قد تتطلب تصحيحاً كيميائياً سريعاً داخل المستشفيات.
لكن خبراء الأورام يوضحون أن الاستخدام الطبي المحدد للمادة لا يعني بأي حال قدرتها على علاج السرطان أو إيقاف نمو الأورام لدى البشر. وتؤكد جهات علمية وصحية عالمية، بينها المعهد الوطني الأميركي للسرطان (NCI) والجمعية الأميركية للسرطان (ACS)، عدم وجود دراسات سريرية موثوقة تثبت أن بيكربونات الصوديوم تعالج السرطان أو تقضي على الخلايا السرطانية.
لماذا اعتقاد “السرطان فطري” غير صحيح؟
يرفض المجتمع العلمي فكرة أن السرطان ينتج أساساً عن عدوى فطرية. فالأورام تنشأ نتيجة طفرات جينية واختلالات في آليات نمو الخلايا وانقسامها، وليس بسبب كائنات فطرية.
كما أن تفسير “البيئة الحمضية” داخل بعض الأورام لا يعني أن الحمض هو سبب المرض؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن اختلافات درجة الحموضة تكون غالباً نتيجة لخصائص الاستقلاب والنشاط الأيضي للخلايا داخل الورم، وبالتالي فإن تناول مواد قلوية لا يُعد علاجاً جذرياً للمرض.
وتعود هذه الفكرة إلى دعاوى سابقة روج لها طبيب إيطالي سابق، ثم رفضها المجتمع العلمي بعد ثبوت ممارسات طبية غير مثبتة أضرت بمرضى. ويؤكد الأطباء اليوم أن أي علاج يُفترض أنه “يعالج السرطان” يجب أن يخضع لمراحل بحثية صارمة تبدأ بالدراسات المعملية ثم التجارب على الحيوانات، ثم التجارب السريرية على البشر عبر مراحل مختلفة، قبل أن توافق عليه الجهات الرقابية المعنية.
لا توجد جهة دواء أو مؤسسة علمية معترف بها أقرت استخدام بيكربونات الصوديوم كعلاج للسرطان
يشدد مختصون في مصر على أنه لا توجد أي هيئة دواء أو مؤسسة علمية معترف بها في العالم اعتمدت بيكربونات الصوديوم كعلاج للسرطان. ويعد هذا التحذير مهماً لأن كثيراً من المرضى قد يخلطون بين “مواد طبية تُستخدم في سياقات محددة” وبين “علاجات فعالة للأورام”، بينما الأدلة العلمية لا تدعم هذا الربط.
الخطر الأكبر: تأخير العلاج المعتمد
يرى الأطباء أن أخطر ما في هذه الادعاءات ليس فقط خطأ الفكرة، بل النتائج التي قد تنتج عنها. فحين يقتنع المريض أو أسرته بأن علاج السرطان ممكن عبر مادة منزلية أو وصفة منتشرة على الإنترنت، قد يتم تجاهل العلاجات الأساسية مثل الجراحة أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو المناعي أو العلاجات الموجهة (حسب نوع الورم ومرحلته).
وبما أن بعض أنواع السرطان تحتاج لبدء العلاج في وقت مبكر لتحقيق أفضل نتائج، فإن تأخير التشخيص أو العلاج قد يتيح للورم فرصة النمو أو الانتشار إلى أعضاء أخرى، ما يقلل فرص الشفاء ويزيد احتمالات المضاعفات.
الطب المبني على الدليل: لماذا تُعد وسائل التواصل الاجتماعي مصدر خطر؟
تؤكد استشارات علاج الأورام أن المحتوى الطبي المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي يجب ألا يُستخدم لاتخاذ قرارات علاجية، خصوصاً في الأمراض الخطيرة مثل السرطان. فالطب المبني على الدليل يعتمد على بروتوكولات علاجية تُبنى على بيانات تجارب سريرية منشورة ومراجَعة علمياً، وليست على سرد قصص نجاح أو ادعاءات غير موثقة.
كما يشير الأطباء إلى أن “العلاجات الطبيعية” أو “الوصفات السحرية” قد تبدو مغرية لأنها تمنح أملًا سريعاً، لكنها قد تؤدي أحياناً إلى تأخير العلاج الصحيح أو تعريض المريض لتداخلات دوائية.
التغذية الصحية مهمة—لكنها ليست بديلاً عن العلاج
يوضح الأطباء أن التغذية الصحية عنصر داعم لحالة المريض وتحسين جودة الحياة وتحمل العلاج، لكنها لا تُعد علاجاً بديلاً عن البروتوكولات الطبية. ويُوصى عادةً بأن تتماشى الخطة الغذائية مع حالة المريض الصحية، ونوع السرطان، وآثار العلاج، واحتياجاته من البروتين والسعرات والفيتامينات، وبالتنسيق مع فريق الرعاية.
تحذير من المكملات والأعشاب والوصفات البديلة
يحذر الأطباء من استخدام مكملات غذائية أو أعشاب أو وصفات “بديلة” دون استشارة الطبيب المعالج، لأن بعض المنتجات قد تتداخل مع العلاج الكيميائي أو المناعي أو العلاجات الموجهة، فتؤثر في فعاليتها أو تزيد من الآثار الجانبية. لذلك، يجب عدم البدء بأي مكمل أو مادة جديدة إلا بعد مراجعة الطبيب أو اختصاصي التغذية العلاجية ضمن فريق الأورام.
مخاطر استخدام بيكربونات الصوديوم بشكل غير طبي
يرى أطباء علاج الأورام أن استخدام بيكربونات الصوديوم كعلاج للسرطان قد يعرض المريض لمضاعفات صحية، خاصة عند تناولها بشكل مفرط أو دون مراقبة طبية، ومن أبرز المخاطر:
– الإصابة بالقلاء الأيضي (اضطراب ترتفع فيه قلوية الدم بشكل غير طبيعي) نتيجة تغيّر درجة حموضة الدم.
– ارتفاع مستويات الصوديوم واحتباس السوائل.
– انخفاض البوتاسيوم، ما قد يسبب اضطرابات خطيرة في ضربات القلب.
نصائح عملية للمرضى والأسر
لرفع الوعي وتجنب الوقوع في ادعاءات مشابهة، ينصح الأطباء بما يلي:
1) عدم الاعتماد على منشورات السوشيال ميديا كمصدر قرار علاجي، وطلب رأي فريق علاج الأورام.
2) التأكد من أي ادعاء علاجي عبر مصادر علمية موثوقة وتجارب سريرية منشورة.
3) البدء بالعلاج المعتمد حسب نوع الورم ومرحلته وعدم تأجيل الجراحة أو العلاجات الدوائية المقررة.
4) استشارة الطبيب قبل استخدام أي مكملات أو أعشاب أو مواد “قلوية” أو “طبيعية”.
5) متابعة الخطة العلاجية بانتظام، لأن الالتزام والمتابعة جزء أساسي من نجاح العلاج.
وفي المحصلة، يؤكد الأطباء أن التصدي للمعلومات الطبية المضللة ضروري لحماية المرضى. فالسرطان مرض معقد لأكثر من 200 نوع، ولكل نوع خصائصه البيولوجية وخياراته العلاجية، ولا يمكن اختزال العلاج في مادة واحدة أو نظام غذائي منفرد دون دعم علمي وتجارب سريرية. الأهم دائماً هو العلاج المبكر، والبروتوكولات المعتمدة، والرعاية المتخصصة التي تحقق أكبر فرص للشفاء وتقلل المضاعفات.

التعليقات