التخطي إلى المحتوى

تواصل ظاهرة الدروس الخصوصية تصدّر النقاش العام في مصر، باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه منظومة التعليم رغم تعدد الإجراءات الحكومية ومحاولات الحد منها. ومع استمرار انتشار مراكز الدروس وإعلاناتها في الشوارع وعلى منصات التواصل، عاد الحديث داخل البرلمان عن أن الحلول الحالية تميل إلى الجانب الأمني والإداري، بينما الجذر الحقيقي للأزمة يرتبط بعوامل داخل منظومة التعليم نفسها، وعلى رأسها ظروف المعلمين داخل المدارس الحكومية.

مواقف برلمانية: الإغلاق والرقابة وحدهما لا يكفيان

أكدت عضو لجنة التعليم بمجلس النواب أن القضاء على الدروس الخصوصية لا يتحقق بمجرد إغلاق السناتر أو تشديد الرقابة أو التلويح بالمحاسبة، لأن الظاهرة متشابكة مع واقع المدرسة، وتفضيلات الأسر، وقدرة المعلم على تقديم شرح متعمق خلال وقت الحصة المحدود. وأشارت إلى أن التجارب السابقة التي اعتمدت أساليب ردع أو إجراءات شكلية لم تُفضِ إلى انحسار واضح للظاهرة، بل استمر وجودها وبقيت حاضرة في الإعلانات واللجوء المتزايد من قبل الطلاب.

ورغم أن ضبط المخالفات خطوة مطلوبة لضمان التزام الجهات المنظمة بالقانون، فإن الاعتماد على هذا المسار وحده—دون معالجة أسباب الطلب—يُبقي فجوة التعليم داخل المدرسة قائمة، فيستمر الطالب في البحث عن بديل خارجها.

تحسين دخل المعلم وحوافزه: محور لا غنى عنه

شدّدت النائبة على أن استقرار المعلم المادي والمعنوي هو شرط أساسي لنجاح أي سياسة تُحارب الدروس الخصوصية. فالأزمة—بحسب طرحها—لا تتعلق فقط بالرقابة، بل بخلل في منظومة الأجور والحوافز التي تؤثر مباشرة في قدرة المعلم على أداء مهامه بأريحية.

وأوضحت أن بعض الحوافز والمكافآت تُحتسب وفق أسس قديمة، بينما تُطبَّق الخصومات والاستقطاعات وفق معدلات أجور أحدث، بما يؤدي إلى تراجع الدخل الحقيقي للمعلمين واتساع الفجوة بين ما يحصلون عليه وما يُخصم منهم. ويؤدي هذا الفارق إلى انخفاض جودة التجربة التعليمية داخل المدارس، وزيادة شعور المعلم بأن جهده لا يُقابل بشكل عادل، وهو ما ينعكس—بصورة غير مباشرة—على اتجاه الطلاب نحو الدروس الخصوصية.

الفصول المكتظة والوقت المحدود يزيدان فجوة الفهم

ومن العوامل التي تدفع الطلب على الدروس الخصوصية داخل المجتمع، ضعف بيئة التعلم داخل المدارس. فقد أشارت إلى أن المعلم—خصوصًا في بداية مسيرته—قد يواجه فصولًا شديدة الاكتظاظ تتراوح بين 60 و70 طالبًا، في ظل نقص الإمكانات وقصور البنية التحتية. ومع وجود حصة دراسية لا تتجاوز 45 دقيقة، يصبح من الصعب تخصيص وقت كافٍ لشرح التفاصيل، أو علاج الفروق الفردية بين الطلاب، أو متابعة الواجبات والمستوى بشكل يومي.

في هذه الظروف، يصبح اللجوء إلى الدروس الخصوصية خيارًا “منطقيًا” لولي الأمر—من وجهة نظره—لضمان شرح إضافي ومراجعة منظمة ومتابعة أدق، خصوصًا مع ضغط المناهج ومتطلبات الامتحانات.

إصلاح شامل لمنظومة التعليم بديل فعلي للعقوبات

ترى النائبة أن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى خطة إصلاح حقيقية تشمل عدة محاور مترابطة، أهمها تحسين أوضاع المعلمين وتطوير بيئة المدرسة حتى تصبح قادرة على تقديم تعليم يحقق احتياجات الطلاب داخل الفصل. فكلما أصبحت المدرسة أكثر كفاءة في الشرح والتقويم والدعم، تراجعت الحاجة إلى الدروس خارجها.

ومن المقترحات التي تبرز في هذا السياق: تعزيز موارد المدارس لتقليل عجز الإمكانات، وتطوير أساليب التدريس لدعم الفهم، وتوفير آليات متابعة للطلاب داخل المدرسة بدلًا من ترك كل المسؤولية للبيت والسناتر. كما يشمل الإصلاح تعزيز الحافز المهني للمعلم وربط التقييم بالتحسن الفعلي في الأداء، بما يعزز جودة التعليم ويقلل احتمالات البحث عن مصادر دخل بديلة.

تمكين المدرسة ليعود دورها التعليمي المركزي

يُجمع طرح اللجنة التعليمية على أن المدرسة يجب أن تستعيد مكانتها باعتبارها المصدر الرئيسي للتعلم. فحين تكون ظروف العمل مناسبة، وتتوفر أدوات مساعدة للتدريس، ويتحقق قدر معقول من الاستقرار الوظيفي والمالي، يصبح التعليم داخل الفصل أكثر قدرة على تلبية احتياجات الطلاب. وعندها تتحول المدرسة من “جزء غير مكتمل” في تجربة الطالب إلى منصة تعليمية متكاملة تقلل الفجوة التي تستغلها السناتر.

المعلم لا يمثل تبريرًا للتقصير… بل حقًا في حياة كريمة

اختتمت النائبة موقفها بالتأكيد أن الحديث عن معاناة المعلمين ليس تبريرًا لمخالفة القوانين، أو رفضًا للالتزام المهني، بل هو إقرار بحقيقة أن توفير حياة كريمة واستقرار معيشي للمعلم ضرورة لإصلاح قطاع التعليم. وأكدت أن أي خطة حقيقية للحد من الدروس الخصوصية يجب أن تنطلق من دعم المعلم وتحسين بيئة التعليم، لأنهما—وفقًا لرؤيتها—الركيزة الأساسية لأي تحول واقعي ومستدام.

وبين التشديد على تطبيق القانون وبين معالجة الأسباب التي تجعل الأسر تتجه للسناتر، يصبح المطلوب مزيجًا من الإصلاح المؤسسي داخل المدرسة، وتطوير منظومة الأجور والدعم للمعلم، وتفعيل التعليم بشكل يجعل الطالب يجد داخل الفصل ما يبحث عنه في الدروس الخصوصية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *