يستمر ملف أسعار الكهرباء في إثارة الجدل مع كل زيادة جديدة في التعريفة، وسط مطالبات واضحة بالانتقال من حلول مؤقتة تعالج الأثر إلى إصلاحات هيكلية تستهدف جذور ارتفاع تكلفة الإنتاج. وفي هذا الإطار، أكد خبراء اقتصاديون أن تحميل المواطنين الفارق المالي وحده لا ينهي المشكلة، بل قد يرسخ “حلقة مفرغة” من زيادات متكررة دون معالجة الأسباب الحقيقية التي ترفع كلفة الخدمة.
1) لماذا لا تكفي زيادة الأسعار كحل؟
أوضح الدكتور مدحت نافع، منسق لجنة الاقتصاد الكلي بالمجلس الاستشاري لرئيس الوزراء، أن الاعتماد على رفع أسعار الكهرباء بوصفه علاجًا مباشرًا لتكلفة الإنتاج قد لا يؤدي إلى نتائج مستدامة. فكل زيادة تعالج الفجوة المالية لحظيًا، لكنها لا تعالج عناصر الخلل داخل المنظومة التي تُنتج التكلفة أصلًا، ما يعني أن الأزمة قد تعود للظهور مجددًا بمجرد استنزاف الأثر المالي للزيادة.
2) “الدعم” ليس رقمًا ثابتًا إذا استمر منطق الحساب نفسه
شدّد نافع على أن التعامل مع فارق التكلفة وسعر البيع بوصفه “دعمًا” بشكل مطلق قد يكون قراءة غير دقيقة. فتصور حجم الدعم بمعايير ثابتة دون خفض تكلفة الإنتاج والفاقد قد يؤدي إلى تضخم الأرقام المعلنة سنويًا.
ووفقًا لهذا المنطق، فإن ما يُقدَّر حاليًا بنحو 100 مليار جنيه قد يرتفع مستقبلًا إلى 200 أو 300 أو حتى 500 مليار جنيه إذا استمرت طريقة الحساب دون إصلاحات تُخفض تكلفة الإنتاج وتحد من الفاقد.
3) المواطن ليس مسؤولًا عن خسائر الكفاءة والفاقد والتهرب
أكد منسق لجنة الاقتصاد الكلي أن العدالة تقتضي عدم تحميل المستهلك تكلفة أوجه القصور التي تحدث في أماكن أخرى من المنظومة. وتشمل هذه الأسباب—بحسب الطرح—انخفاض كفاءة بعض محطات توليد الكهرباء، وارتفاع معدلات سرقات التيار، ووجود فاقد في شبكات النقل والتوزيع، إضافة إلى سوء إدارة المديونية.
وبالتالي، فإن أي سياسات ترفع التكلفة على المواطن دون معالجة مصادر الخلل تُنتج أثرًا مزدوجًا: زيادة العبء المعيشي من جهة، وتوسيع الفجوات المالية داخل القطاع من جهة أخرى.
4) أثر الوقود الأحفوري وتراجع الغاز الطبيعي على تكلفة الإنتاج
أشار نافع إلى أن الاعتماد النسبي الكبير على الوقود الأحفوري (بحسب ما ورد في التصريح قرابة 87%) يرفع تكلفة إنتاج الكهرباء، خصوصًا مع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي. وتزداد الضغوط المالية في ظل تقلبات أسعار الوقود وتحديات الإمداد، ما يجعل تكلفة التشغيل عاملًا رئيسيًا في استمرار ارتفاع الفجوة.
ومن هنا، فإن تنويع مصادر الطاقة والتوسع في بدائل أقل تكلفة على المدى الطويل يُعد مسارًا محوريًا لتخفيض تكلفة الإنتاج بدلًا من الاكتفاء بالتسعير.
5) سرقات الكهرباء والفاقد يغيران طبيعة الفارق بين التكلفة والسعر
لفت إلى أن الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلك لا يمكن اعتباره دعمًا خالصًا، لأن جزءًا منه ينتج عن الفاقد داخل الشبكة، وجزءًا آخر مرتبط بممارسات غير مشروعة مثل سرقات الكهرباء. وبالتالي، فإن الإصلاح يتطلب ضبط الخسائر الفنية والتجارية، وتحسين آليات القياس والتحصيل، بما يقلل الفجوة ويزيد كفاءة النظام.
ومثلما لا يجوز تحميل الملتزمين تكلفة التهرب أو سوء التحصيل، كذلك لا ينبغي تحميل المواطنين ثمن مخالفات يرتكبها آخرون.
6) ما المطلوب بدلًا من الحلول المؤقتة؟ إصلاحات بنيوية تدريجية
يرى نافع أن الحلول الاقتصادية موجودة، لكن المشكلة تكمن في الاعتماد على إجراءات قصيرة الأجل تعالج النتائج دون جذور الأزمة. ويقر بأن الإصلاحات الهيكلية تحتاج إلى وقت حتى تنعكس آثارها على الاقتصاد، غير أن البدء فيها أصبح ضرورة لتجنب استمرار ارتفاع الفواتير وتكرار الأزمات.
ومن بين ملامح الإصلاحات المطلوبة عادةً—وبحسب منطق التصريح—تحسين كفاءة محطات التوليد، وتقليل الفاقد في الشبكات، وتعزيز منظومة القياس والتحصيل لمواجهة السرقات، وإدارة المديونية بشكل أكثر انضباطًا، مع تسريع مسار تنويع مصادر الطاقة.
7) خريطة طريق توازن بين الإصلاح وحماية المواطنين
اختتم التصريح بالتأكيد على أن المواطن يشعر بتحمل أعباء متواصلة دون وضوح حول موعد تحسن الأوضاع. لذلك، شدّد على أهمية إعلان “خريطة طريق” للإصلاح توضح مراحل التنفيذ وجدول النتائج المتوقعة.
ويُعد هدف هذه الخطة—وفقًا للفكرة العامة—أن يكون المواطن في قلب عملية التنمية والإصلاح، بحيث يرى أثر الإصلاح في صورة تحسين جودة وكفاءة الخدمة واستقرار أكثر في الأعباء، بدل أن يبقى الطرف الوحيد الذي يتحمل التكلفة بصورة مستمرة.
وبناءً على ذلك، فإن معالجة أزمة الكهرباء تتطلب انتقالًا من منطق رفع الأسعار وحده إلى إصلاحات متكاملة تُخفض تكلفة الإنتاج وتقلل الفاقد وتضبط الفجوة المالية على أسس مستدامة.

التعليقات