تستعد الحكومة الفيدرالية الأسترالية لإطلاق إطار تشريعي أكثر صرامة يفرض على مراكز البيانات الكبيرة والجديدة الاعتماد بشكل أساسي على الطاقة المتجددة، وذلك للحد من الضغط المتزايد على شبكة الكهرباء الوطنية الناتج عن توسع تقنيات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية. وتأتي هذه الخطوة استجابة لمخاوف تتعلق بتوازن الطلب على الكهرباء مع الالتزام بالأهداف المناخية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وصرّح وزير التغير المناخي والطاقة، كريس بوين، بأن الحكومة تبحث سن قوانين فيدرالية قد تتجاوز الاعتراضات المحلية بين الولايات، بهدف توحيد القواعد التنظيمية على مستوى الدولة. وبحسب المقترح، سيكون أمام مشغلي مراكز البيانات خيار عملي يتمثل في بناء مشروعات طاقة نظيفة أو تمويلها بحيث تزود الشبكة بحصة طاقة تعادل أو تفوق استهلاكهم، بدل الاكتفاء بالسحب من مصادر تقليدية متاحة ضمن الشبكة.
ومن أبرز بنود المقترح أيضاً حظر إنشاء مراكز بيانات تعمل بالكامل على الوقود الأحفوري، مثل الغاز الطبيعي. كما تتجه التشريعات إلى إلزام الشركات بتقديم ما يثبت توفر إمدادات طاقة متجددة مكافئة لما تستهلكه مرافقها، بما يضمن ألا يؤدي نمو قطاع البيانات إلى تعميق فجوة الانبعاثات أو تقويض خطط التحول للطاقة النظيفة.
وفي الوقت نفسه، يتضمن المقترح آلية تنظيمية تسمح باستخدام الغاز الطبيعي فقط كخيار احتياطي ثانوي ضمن حدود ضيقة، بهدف ضمان استمرارية التيار خلال حالات تتذبذب فيها مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح أو الشمس. ويُشار إلى هذا الاستخدام الاحتياطي بوظيفته المرتبطة بـتأمين الحمل، أي توفير دعم مؤقت للشبكة عند الحاجة لتفادي انقطاعات الطاقة أو انخفاض الإنتاج.
وتواجه هذه التوجهات رفضاً محلياً في بعض الولايات، مثل كوينزلاند والإقليم الشمالي، التي ترى في احتياطيات الغاز لديها فرصة لجذب استثمارات أكبر لقطاع التقنية والذكاء الاصطناعي. وتتمثل حجة الرافضين غالباً في أن الاعتماد على الغاز—ولو بصورة احتياطية—قد يسرّع تلبية الطلب المتنامي دون تعطيل توسعات البنية الرقمية.
وتأتي هذه المقترحات في سياق مؤشرات واقعية على اتساع أثر مراكز البيانات. فقد تتوقع جهات تشغيلية في سوق الطاقة الأسترالي، مثل مشغل سوق الطاقة الأسترالي AEMO، أن يستهلك قطاع مراكز البيانات ما يصل إلى 10% من إجمالي الطلب على الكهرباء في البلاد بحلول عام 2050. هذا يعني أن نمو البنية الرقمية لن يكون مجرد قضية تقنية، بل سيؤثر مباشرة على التخطيط للطاقة وشبكات النقل وتكاليف التشغيل.
ولتعزيز قابلية التنفيذ، قد تتضمن التشريعات—إضافة إلى متطلبات الطاقة المتجددة—تصميم آليات تحقق وإثبات (مثل متطلبات الوثائق أو الاعتمادات) تضمن أن التعويض الطاقي يتم فعلاً على أرض الواقع، وليس عبر إجراءات شكلية. كذلك قد يبرز دور عقود شراء الطاقة (PPAs) بين مشغلي مراكز البيانات ومنتجي الطاقة المتجددة، لضمان استقرار الإمداد وتسعير أكثر قابلية للتنبؤ خلال سنوات التوسع.
في المحصلة، تسعى أستراليا إلى تحقيق معادلة صعبة: دعم نمو قطاع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وفي الوقت ذاته منع أن يؤدي هذا النمو إلى ارتفاع كبير في الانبعاثات أو تحميل المستهلكين أعباء تكاليف إضافية. وستحدد تفاصيل التشريعات النهائية—ومدى مرونتها أمام التحديات الإقليمية—شكل العلاقة بين مستقبل الطاقة النظيفة ومسار الثورة الرقمية في البلاد.

التعليقات