بعد الهزة الأرضية التي شعر بها كثيرون من المواطنين، تزايدت التساؤلات وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي روايات وشائعات حول احتمال وقوع زلزال جديد في وقت قريب. وفي محاولة لتهدئة القلق وتقديم إجابة علمية دقيقة، أكد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أن ما يتم تداوله لا يرقى إلى دليل، وأن فهم “ما بعد الزلزال” يعتمد على آليات رصد علمية وتفسيرات زلزالية مثبتة.
وأوضح الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد، أن الحديث عن إمكانية التنبؤ بموعد زلزال لاحق لا يستند إلى أساس علمي. وبيّن أن الزلازل تختلف جوهريًا عن الظواهر الجوية؛ إذ إن التنبؤ بالطقس يعتمد على نماذج دقيقة لتحركات الغلاف الجوي، بينما النشاط الزلزالي لا يملك حتى الآن مؤشرات تسمح بتحديد تاريخ ووقت وقوع الزلازل بالطريقة نفسها.
وأشار الهادي إلى أن الزلزال الرئيسي عادة ما يتبعه ما يعرف بـ“الهزات الارتدادية” أو التوابع. ففي الحالة الأخيرة تم رصد 12 هزة ارتدادية طبيعية بعد الهزة الرئيسية، وهي ظاهرة متوقعة بعد الزلازل القوية. ورغم أن هذه التوابع تُسجل علميًا، فإنها كانت ضعيفة للغاية ولم يشعر بها المواطنون، لأن أجهزة الرصد هي التي تلتقطها ضمن نطاقات حساسة لا تصل إلى مستوى الإحساس عند معظم الناس.
كما أوضح أن مدة الإحساس بالزلزال لا تتساوى بين المناطق المختلفة؛ إذ تتغير بحسب المسافة عن مركز الهزة. فمثلًا بلغ متوسط مدة الإحساس في القاهرة نحو 34 ثانية، وقد يبدو للبعض أن الهزة استمرت أطول بسبب عوامل نفسية مثل الخوف والارتباك الذي يصاحب الحوادث الطبيعية.
وتابع الدكتور الهادي أن محطات الرصد تعتمد على قدرات فنية محددة، إذ كلما انخفضت قوة الهزة زادت صعوبة رصدها، خصوصًا أن التقنيات المصممة للتعامل مع الزلازل الضعيفة تحتاج إلى حساسية أعلى وزمن قياس أدق.
## كيف يعمل الإنذار المبكر على الهواتف؟
وفيما يتعلق بخدمة الإنذار المبكر المتاحة على بعض هواتف أندرويد، أوضح أن النظام يعتمد على برنامج طورته شركة جوجل. الفكرة الأساسية أن الهواتف القريبة من بؤرة الزلزال تلتقط “الموجات الأولى” بسرعة أكبر، ثم تُرسل تحذيرات قبل وصول الموجات الزلزالية إلى مناطق أبعد.
لكن هذا النوع من الإنذار يمنح ثوانٍ معدودة فقط. ولفت إلى أن هذه الثواني لا تكفي عادةً لاتخاذ إجراءات وقائية معقدة للأفراد، لكنها قد تكون مهمة في حماية المنشآت الحساسة. فالقيمة الأكبر للإنذار المبكر تتمثل في تمكين أنظمة المنشآت الحيوية من إيقاف تلقائي سريع عند استشعار الاهتزازات، مثل المفاعلات النووية أو المصانع التي تتعامل مع مواد خطرة، بما يقلل احتمالات الحوادث الثانوية.
وأكد أن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية يسعى إلى تطوير حلول عملية للحماية من خلال تصميم أنظمة إيقاف تلقائي داخل بعض المنشآت الحيوية، بما يرفع مستوى السلامة أثناء الزلازل.
## هل يختلف تأثير زلزال 2026 عن زلزال 1992؟
وعند المقارنة بين زلزال عام 2026 وزلزال 1992، أوضح الهادي أن الفارق في قوة الزلزالين ليس بالضرورة كبيرًا، إلا أن هناك عوامل أخرى تؤثر في حجم الضرر. من هذه العوامل بعد مركز الزلزال عن القاهرة، إضافة إلى تطبيق أكواد البناء الحديثة وتحسن البنية التحتية. واعتبر أن هذه التحسينات تساعد بشكل واضح في تقليل الخسائر البشرية والمادية.
## ما الذي يمكن عمله علميًا رغم غياب “تنبؤ التاريخ”؟
وشدد رئيس قسم الزلازل على أن التنبؤ بموعد وقوع الزلازل لا يزال غير ممكن علميًا حاليًا، رغم رغبة علماء الزلازل حول العالم في امتلاك هذه القدرة. وبدلًا من ذلك، تعتمد الدراسات الزلزالية على تحديد المناطق الأكثر نشاطًا وإنجاز إحصاءات ودراسات احتمالية تُساعد في:
– تطوير وتحديث أكواد ومعايير البناء وفقًا لمستويات الاهتزاز المتوقعة.
– رفع جاهزية المنشآت والخطط الطارئة لمواجهة المخاطر.
– تحسين شبكات الرصد بما في ذلك التعامل مع الزلازل الضعيفة التي قد تحمل مؤشرات عن طبيعة النشاط في المنطقة.
## مؤشرات حيوانية وغاز الرادون: ماذا نعرف؟
كما أكد الدكتور الهادي أن ملاحظة تغير سلوك بعض الحيوانات قبل وقوع الزلازل تُعد ظاهرة رُصدت في تقارير ودراسات متعددة، وأنها قد ترتبط بآليات فيزيائية تظهر قبل الهزة نتيجة لتراكم الضغوط. ومن أبرز ما يُذكر علميًا أن الضغوط التي تسبق الزلزال قد تؤدي إلى انبعاث غاز الرادون المشع، وهو ما قد يدفع بعض الكائنات الحية إلى مغادرة أماكنها.
وأشار إلى أن بعض الدول تعتمد محطات لرصد غاز الرادون باعتباره أحد مؤشرات النشاط المرتبطة بالزلازل، لكن ذلك لا يعني القدرة على التنبؤ الدقيق بوقت الزلزال. وإنما تُستخدم هذه القياسات في الرصد والدراسة العلمية لتحسين فهم سلوك الأرض والنشاط الزلزالي.
في النهاية، شدد المعهد على ضرورة التعامل مع المعلومات بحذر، وعدم الانسياق وراء الشائعات. فالزلزال وتوابعُه تُفهم عبر الرصد والتحليل العلمي، بينما يبقى “تحديد موعد زلزال جديد” تحديًا علميًا لم يصل العلماء بعد إلى حله، حتى مع تطور تقنيات الإنذار المبكر والشبكات المتخصصة.

التعليقات