أكد الدكتور محمود عنبر، الخبير الاقتصادي، أن تراجع حدة التصعيد الأمريكي لا يعد وحده عاملًا كافيًا لاستعادة الاستقرار الكامل في الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن الأزمة الراهنة تطورت لتتجاوز تأثيرات أسعار الطاقة أو اضطراب حركة الملاحة، لتصبح مرتبطة بحالة أوسع من عدم اليقين السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية.
وأوضح عنبر، في مداخلة هاتفية على قناة “إكسترا نيوز”، أن الأسواق تواجه تحديات أعمق من كونها انعكاسًا لصراعات إقليمية محدودة، لافتًا إلى أن المخاوف تتصاعد من احتمال اتساع نطاق النزاعات، ومن توظيف الأدوات الاقتصادية والتجارية كوسيلة لإدارة المواجهات بين القوى الدولية. وأضاف أن هذا النوع من التوتر ينعكس مباشرة على الاستثمار والتجارة العالمية، عبر رفع كلفة المخاطر على المستثمرين وإبطاء قرارات التوسع والتعاقد.
وبيّن الخبير الاقتصادي أن اللايقين المسيطر على المشهد الدولي يدفع المستثمرين إلى تبني نهج أكثر تحفظًا، حيث يميلون إلى تأجيل ضخ رؤوس الأموال أو تقليصها لحين وضوح الرؤية. وأوضح أن غياب الخطط والسياسات القابلة للتوقع—خصوصًا ما يتعلق بمسارات التطورات السياسية والاقتصادية—يؤثر سلبًا على معدلات النمو والاستثمار في عدد من الاقتصادات، سواء المتقدمة أو الناشئة.
وأشار عنبر إلى أن تكرار الإعلان عن تفاهمات أو هدن سياسية ثم التراجع عنها لاحقًا أدى إلى تآكل الثقة، بحيث أصبحت الأسواق تبحث عن “إشارات عملية ومستدامة” تضمن الاستقرار بدلًا من الاكتفاء بالبيانات التصريحية. ولفت إلى أن الثقة المالية ليست مجرد تفاؤل لحظي، بل ترتبط بتوازنات طويلة الأمد في السياسات والاتفاقات، وأي اهتزاز فيها يعيد رفع علاوة المخاطرة.
وفيما يخص قطاع الطاقة، أكد أن استقرار الأسواق لا يرتبط فقط بعوامل العرض والطلب مثل زيادة الإنتاج أو تراجع الأسعار، بل يعتمد بالدرجة الأولى على استقرار البيئة السياسية والأمنية. فحين تتزايد احتمالات تعطّل الإمدادات أو اتساع دائرة المواجهات، تتغير توقعات السوق سريعًا، حتى لو لم يطرأ تغيير كبير في كميات الإنتاج الفعلية.
وبحسب عنبر، فإن عودة الاستثمارات ورؤوس الأموال تتطلب بناء مناخ من الثقة والاطمئنان، وهو ما يستدعي وضوحًا في التوجهات والتزامًا بخطوات قابلة للقياس والاستمرارية. وأضاف أن الأسواق لا تعاقب التوتر السياسي فقط، بل تعاقب أيضًا حالة الارتباك التنظيمي والتنفيذي التي قد تصاحب القرارات الاقتصادية والعقوبات وإجراءات التجارة.
وفي سياق إعلان “أوبك بلس” زيادة الإنتاج اعتبارًا من سبتمبر المقبل، أوضح عنبر أن الخطوة قد تسهم في تهدئة بعض الضغوط على أسواق الطاقة بصورة مؤقتة، لكنها لا تمثل حلًا جذريًا للأزمة، لأنها لا تعالج الأسباب الأساسية وراء حالة التوتر وعدم الاستقرار. وشدد على أن استقرار الطاقة يظل مرتبطًا أيضًا بجغرافيا المخاطر السياسية، وبقدرة الدول واللاعبين الرئيسيين على ضمان سلاسل الإمداد وخفض احتمالات الصدمات.
وزاد الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد بات أحد أدوات الصراع بين القوى الدولية، عبر العقوبات الاقتصادية، والسياسات التجارية، والتعريفات الجمركية، واستخدام الطاقة كورقة ضغط. واعتبر أن هذه الممارسات تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي لأنها تضيف طبقات إضافية من عدم اليقين فوق عوامل السوق التقليدية.
وشدد عنبر في ختام حديثه على أن تحقيق استقرار اقتصادي عالمي يتطلب توافقًا دوليًا يحد من توظيف الأدوات الاقتصادية في الصراعات السياسية والعسكرية، مع معالجة الأسباب الجذرية للتوترات بدلًا من الاعتماد على حلول وقتية قد لا تضمن استمرار الاستقرار. واعتبر أن أي مرحلة تعافٍ حقيقية يجب أن تستند إلى قرارات ثابتة ومؤشرات أداء قابلة للتحقق، بما يعيد الثقة ويقلل من حساسية الأسواق للصدمات المستقبلية.

التعليقات