تؤكد ليلى عبد المجيد، معلمة الأجيال والباحثة والفائزة بجائزة الدولة التقديرية، أن تأسيس أسرة ناجحة لا يتم في لحظة واحدة، بل هو رحلة طويلة تحتاج إلى صبر وتدرّج ورضا حقيقي بما يملك الإنسان، مع الانتباه إلى أن القيمة لا تُقاس بثمن الأشياء أو شكل المنزل، وإنما بما تحمله من معانٍ وذكريات وجهد مشترك بين الزوجين.
وتشرح عبد المجيد أن الأجيال السابقة كانت تنظر إلى كل خطوة في تجهيز المنزل باعتبارها إنجازًا يُحتفى به، وهو ما رسّخ لدى كثير من الأسر مفاهيم الاستقرار والاعتماد على النفس. وتروي أن حياتها الزوجية الأولى بدأت بإمكانات بسيطة، لكنها كانت ممتلئة بالسعادة والرضا، لأن التركيز كان على بناء علاقة متماسكة وشراكة حقيقية، لا على استعراض الممتلكات.
وتشير إلى أن منزلها الأول لم يكتمل دفعة واحدة، بل كان ينمو تدريجيًا مع الوقت. فمع مرور السنوات جاءت الإضافات واحدة تلو الأخرى: ثلاجة، ثم بوتاجاز، ثم بقية مستلزمات الحياة اليومية. وتؤكد أن الشعور الذي يصاحب كل إنجاز صغير داخل البيت يمنح الأسرة معنى عميقًا ويجعل الزوجين أكثر حرصًا على ما يملكانه. فالمشاركة في صناعة تفاصيل الحياة تخلق إحساسًا بالملكية والمسؤولية، وتقلل فرص الإهمال أو فقدان القيمة.
ومن جانب آخر، تكشف أن بينها وبين زوجها الراحل الدكتور محمود علم الدين اتفقا منذ بداية حياتهما على مبدأ واضح: عدم تحميل أسرتيهما أعباء مالية إضافية بعد سنوات طويلة قاما فيها بدعم بعضهما حتى الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه. وتوضّح أنهما اتخذًا قرارًا بتأسيس حياة مستقلة اعتمادًا على إمكاناتهما، فانتقلا في بدايات إنشائها إلى مدينة 15 مايو، رغم أن إقامتهما الأصلية كانت في مناطق وسط القاهرة. وترى أن اختيار مسار الاستقلال لم يكن قرارًا اقتصاديًا فقط، بل كان خطوة لبناء شخصية أسرية واعية قائمة على التخطيط.
وتؤكد ليلى عبد المجيد أن الرضا يُعد من أهم أسرار النجاح في الحياة الزوجية. فالسعادة لا ترتبط بالحصول على كل المتطلبات منذ البداية، بل بالقدرة على الاستمتاع بكل مرحلة من مراحل بناء الأسرة، وملاحظة التحسن التدريجي في الأوضاع. وتشير إلى أن تحقيق الأهداف بعد جهد يمنح الإنسان شعورًا لا يمكن تعويضه، بينما قد يفقد البعض قيمة ما يحصلون عليه عندما يكون الوصول إليه سريعًا وبلا مشاركة فعلية في رحلة البناء.
كما تنتقد ما تسميه بـ”ثقافة المبالغة في متطلبات الزواج“، مشيرة إلى أن بعض الأسر قد تتحمل أعباء مالية ضخمة لتجهيز الأبناء، وهو ما يخلق ضغطًا اقتصاديًا قد يمتد سنوات. وتلفت إلى أن نجاح الحياة الزوجية لا يعتمد على حجم الإنفاق أو قيمة الأثاث والأجهزة، بل يرتكز على تفاهم الزوجين واحترامهما ومشاركتهما في صناعة يومياتهما. وتشير أيضًا إلى أن الاعتماد الكامل على الأهل في تأسيس الحياة قد يحرم الشباب من تعلم المسؤولية وإدارة الاحتياجات الواقعية.
وتعود عبد المجيد إلى تفاصيل بداية علاقتها بزوجها الراحل، موضحة أن التعارف بينهما بدأ داخل كلية الإعلام، حيث كان زوجها يسبقها بعام دراسي واحد. وتقول إن طبيعة الدراسة والأنشطة الجامعية وفرت لهما فرصًا للتعاون والتواصل، إذ أسهم العمل المشترك في إعداد الصحف والأنشطة الطلابية في توطيد العلاقة. ثم تحولت الصداقة تدريجيًا إلى قصة حب امتدت لسنوات قبل الزواج.
وتؤكد أن أول ما جذبها في شخصية زوجها لم يكن المظهر الخارجي، بل كانت ثقافته الواسعة وشغفه بالمعرفة. إذ كان يمتلك اطلاعًا كبيرًا في مجالات الأدب والسينما والمسرح والسياسة والاقتصاد، فضلًا عن تفوقه الأكاديمي داخل الكلية. وترى أن التوافق الفكري والثقافي يُعد عنصرًا مهمًا في نجاح العلاقة الزوجية، لأنه يساهم في تقليل الخلافات وتعزيز لغة الحوار بين الطرفين.
وتضيف أن زواجهما لم يوقف رحلتهم الأكاديمية، بل استمرت علاقتهم قرابة عشر سنوات قبل أن يكتمل مسار الدراسات العليا، وهو ما ساعدهما على تحقيق الاستقرار العلمي والمهني الذي كانا يطمحان إليه قبل بناء حياتهما الأسرية. وتشدد على أن هذا التدرج في القرارات ساعدهما على تأسيس حياة مستقرة تقوم على التخطيط السليم بعيدًا عن التسرع أو الضغوط الاجتماعية.
وبذلك تقدم ليلى عبد المجيد نموذجًا عمليًا لفكرة أن الأسرة الناجحة هي نتيجة تراكمات: قيم واحترام وشراكة ومسؤولية، مع الإيمان بأن كل مرحلة من مراحل البناء تحمل معنى، وأن الرضا ليس مجرد شعور، بل منهج حياة ينعكس على الاستقرار والنمو داخل البيت.

التعليقات