أكد اللواء حابس الشروف، مدير معهد فلسطين للأمن القومي، أن التحركات العسكرية الإسرائيلية الحالية لا يمكن توصيفها كـانسحاب من المناطق التي تتمركز فيها قواتها، بل هي عمليات إعادة تموضع ترتبط باعتبارات سياسية وعسكرية، خصوصًا في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. واعتبر الشروف أن حكومة اليمين تسعى إلى تجنب أي خطوة قد تُقرأ على أنها تنازل أو تراجع أمام خصومها، أو قد تفرض عليها كلفة داخلية قبل موعد الاقتراع.
وفي سياق متصل، لفت الشروف خلال مداخلة مع الإعلامية هاجر جلال في برنامج منتصف النهار على قناة القاهرة الإخبارية إلى أن المشهد في لبنان يختلف عن قطاع غزة. فبينما تبدو التطورات في لبنان خاضعة أكثر لمسار اتصالات وتفاهمات، فإن إسرائيل لم تنفذ انسحابًا كاملاً، بل اعتمدت منطق تغيير مواقع القوات وتوزيعها على نحو يحقق لها مرونة تكتيكية ويمنحها هامشًا سياسيًا في إدارة الملفات.
أما في غزة، فقد وصف الشروف الوضع بأنه أكثر تعقيدًا لعدة أسباب؛ من بينها أن إسرائيل لم تحقق الأهداف التي أعلنتها منذ بداية الحرب، وعلى رأسها نزع سلاح حركة حماس. كما أشار إلى أن إسرائيل تواصل رفض مطالب جوهرية تتعلق بالمستقبل السياسي للقطاع، مثل السماح بتشكيل إدارة جديدة، ورفض قبول وجود قوات دولية تكون مسؤولة عن إدارة المرحلة المقبلة، وهو ما يفاقم حالة الجمود ويحول دون الانتقال من مرحلة التصعيد إلى مرحلة الاستقرار.
وشدد الشروف على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواصل وضع عراقيل أمام مسار الاتفاقات الخاصة بغزة، مؤكدًا أن هذه المواقف تهدف في الأساس إلى إطالة أمد الأزمة وكسب مزيد من الوقت، مع ربط المسار بما ستسفر عنه الانتخابات. ورأى أن ذلك لا يأتي بدافع عقبات ميدانية حقيقية تحول دون تنفيذ التفاهمات، بل بدوافع حسابات سياسية داخلية ترتبط بإدارة المشهد الانتخابي وتحسين موقع الحكومة.
وبالتوازي مع ذلك، فإن إعادة التموضع قد تمنح إسرائيل القدرة على إعادة حساباتها العسكرية دون أن تقدم تنازلات سياسية ملزمة، كما تسمح لها بتقديم رواية داخلية وخارجية مفادها أنها تعمل على “تعديل” وليس “انسحابًا”. وفي الوقت نفسه، يزداد تعقيد المشهد مع غياب ترتيبات واضحة للإدارة اللاحقة والضمانات الدولية، الأمر الذي يبقي ملف غزة في دائرة المراوحة بين التصعيد وإعادة التفاوض.
ومع اقتراب الانتخابات، يتوقع الشروف أن تستمر سياسة المناورة عبر خطوات جزئية وإجرائية، بينما يتم تأجيل الحسم في الملفات الأساسية، حتى لا ترتبط الحكومة بنتائج قد تُفسر كتحول أو تراجع أمام الرأي العام الإسرائيلي، أو أمام القوى التي تعد بتغيير مسار السياسة بعد الانتخابات.

التعليقات