كشف الإعلامي الإذاعي الكبير عمر بطيشة عن تفاصيل جديدة من كواليس رحلة صداقته بالعالم المصري الراحل الدكتور أحمد زويل، مؤكدًا أن لحظة تسلمه جائزة نوبل كانت من أكثر الوقائع التي جسدت ارتباط زويل العميق بمصر، لا بوصفها إنجازًا شخصيًا فقط، بل بوصفها محطة تعكس قدرات العلماء المصريين وتاريخ التعليم هناك.
وأوضح بطيشة أنه اختير ضمن الوفد الإعلامي المصري الذي رافق زويل خلال مراسم تسلمه الجائزة في العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1999. وقال إن اللقاء الذي جمعهما عقب الحفل استمر قرابة ساعتين على الهواء مباشرة عبر برنامج «صباح الخير يا مصر» على الإذاعة المصرية، في تجربة حملت خصوصية كبيرة بحكم كون الحديث جرى فورًا بعد تتويجه، وبصوت مستمعين يعيشون لحظة تاريخية مع عالمهم المصري.
وأضاف أن الحلقة الإذاعية جاءت بعنوان «وسام على صدر مصر»، وحققت تفاعلًا واسعًا من المستمعين في القاهرة والمحافظات. فبحسب ما رواه بطيشة، حرص الجمهور على توجيه أسئلة مباشرة إلى أحمد زويل حول رحلته العلمية، وما الذي قاده لاكتشافاته التي أسهمت في حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء. وتحدث زويل بلغة مباشرة وواضحة، ما جعل حضور العلم أقرب للجمهور، وأظهر كيف يمكن للإنجازات الكبرى أن تتحول إلى قصة وطنية يفهمها المستمعون.
وأكد بطيشة أن زويل كان منبهرًا بقدرة الإذاعة المصرية على نقل مكالمات المستمعين من أنحاء مختلفة من البلاد إلى غرفته في فندق ستوكهولم، ليرد على أسئلتهم بنفسه. ورأى أن هذه اللحظة عكست طبيعة العلاقة التي كان يحملها زويل تجاه مصر والمصريين؛ إذ لم ينظر إلى الجائزة باعتبارها ملكًا شخصيًا، بل اعتبرها اعتزازًا جماعيًا وتمثيلًا لوطنه أمام العالم.
ومن بين الجوانب التي شددت عليها شهادات بطيشة، التواضع والبساطة اللذان ميزا شخصية أحمد زويل. فأوضح أنه عرفه منذ سنوات الشباب في مدينة دمنهور، وأن أحدًا آنذاك لم يكن يتوقع أن يصبح ذلك الشاب لاحقًا أحد أبرز علماء العالم ويحصد جائزة نوبل. ومع كل ما حققه لاحقًا، ظل زويل محافظًا على طباعه القريبة من الناس، بعيدًا عن المظاهر، وهو ما ساعده على بناء علاقة إنسانية مع جمهوره.
كما أشار بطيشة إلى أن زويل كان شديد الاعتزاز بالتعليم المصري، مؤكدًا أن ما تعلمه في مصر وصقله من خبرات خلال سنوات الدراسة ساهم في تأسيس شخصيته العلمية التي مكنته لاحقًا من مواصلة الأبحاث في الولايات المتحدة وتحقيق إنجازاته العالمية. ورأى أن هذه القناعة جزء أساسي من فلسفة زويل تجاه العلم: العلم نتاج بيئة وتربية وفرص، وليس مجرد موهبة فردية.
وفي الجانب الإنساني، تحدث بطيشة عن محبة زويل لمصر وعاداته وتقاليده؛ فقد كان متعلقًا بالحسين وخان الخليلي، ويستمتع بالجلوس مع أصدقائه وتناول الأطعمة البحرية. كما أوضح أنه كان محبًا للفن والغناء، ويستمع إلى أغاني أم كلثوم، ومن بينها أغنية «يا مسهّرني»، إلى جانب تمتعه بخفة ظل وروح مصرية أصيلة. وأكد بطيشة أن هذه الصفات الإنسانية ساعدت على تقريب عالم كبير من جمهوره، رغم دقة تخصصه العلمي.
ولم يقتصر اهتمام زويل على التميز العلمي فقط، بل امتد إلى دعم الشباب المصري وتشجيعهم على دخول مسارات العلم والبحث. ووفق رواية بطيشة، كان زويل يتمنى أن يخرج من مصر ملايين العلماء القادرين على تقديم إنجازات تتجاوز ما تحقق، وهو ما ينسجم مع جهوده في تأسيس «مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا» كمنصة تخدم الأبحاث وتفتح المجال أمام الأجيال الجديدة.
وختم بطيشة حديثه بالتأكيد على أن أحمد زويل كان نموذجًا نادرًا يجمع بين عمق العلم وبساطة الإنسان. فرغم مكانته العالمية، ظل مرتبطًا بمصر وشعبها، وسعى إلى نقل خبراته العلمية إلى الأجيال التي جاءت من بعده، ليبقى إرثه العلمي والإنساني حاضرًا في ذاكرة المصريين، ويظل عنوانًا حيًا لفكرة أن التفوق يمكن أن يكون رسالة وطنية تحمل اسم مصر على صدر التاريخ.

التعليقات