يشير الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، إلى أن إسرائيل تواجه أزمة مركّبة نابعة من غياب “وضوح الرؤية” حول الأهداف النهائية لأي تحركات عسكرية تقوم بها. فبحسب تقييمه، فإن ما تحقق من نتائج في قطاع غزة وجنوب لبنان لا يطابق، من وجهة نظره، ما كانت القيادة الإسرائيلية تسعى إليه، الأمر الذي يفاقم حالة عدم اليقين ويؤثر في حسابات القرار السياسي والأمني.
ويرى فهمي أن استمرار اعتماد إسرائيل على القوة العسكرية باعتبارها الأداة الأساسية في سياستها الخارجية قد يقود إلى نتائج عكسية، لا تقتصر على تراجع المكاسب الميدانية، بل تمتد إلى تداعيات “خطيرة” على المدى الأبعد، بما في ذلك مستقبل الدولة وقدرتها على إدارة التحديات المتراكمة. ويؤكد أن الاستراتيجيات التي تُبنى على استخدام القوة دون إطار سياسي واضح، غالباً ما تتحول إلى حلقة مفرغة تُطيل أمد النزاع وتستنزف الموارد وتضاعف الضغوط الداخلية والخارجية.
وفي السياق ذاته، يوضح فهمي أن القيادة الإسرائيلية تركز حالياً على ضمان استمرارية الدولة والحفاظ على قدرتها على مواجهة التحديات. لكن الإشكالية الأساسية تكمن في أن غياب اليقين حول “ما الذي يُراد تحقيقه” من الحرب ينعكس على الجنود الإسرائيليين أنفسهم، حيث يطال ذلك حالتهم النفسية والمعنوية ويخلق شعوراً بالضغط والارتباك لدى الأفراد المشاركين في العمليات.
وعن طبيعة التهديدات التي تستدعي اهتمام تل أبيب، يشير أستاذ العلوم السياسية إلى أن إسرائيل تنظر إلى إيران بوصفها أحد أبرز مصادر التهديد الوجودي لديها. ويرتبط هذا القلق أيضاً بمخاوف تتزايد داخل إسرائيل بشأن احتمالات تغير مواقف الإدارات الأمريكية المقبلة منها، سواء على مستوى الدعم السياسي أو مسارات التعامل مع الملفات الإقليمية.
كما لفت فهمي إلى أن تصاعد الانتقادات الموجهة لإسرائيل داخل شرائح من الشباب الأمريكي يُعد مؤشراً على تحولات تدريجية في الرأي العام بالولايات المتحدة. فمع تغيّر المزاج داخل قطاعات من الجمهور، قد تجد تل أبيب نفسها أمام تحديات جديدة في السنوات المقبلة، تشمل التأثير على القدرة على كسب التعاطف الدولي، وإعادة تشكيل حدود الدعم الخارجي سياسياً وإعلامياً.
ولتعميق الصورة، يذهب فهمي إلى أن “غموض الأهداف” لا يظل مسألة داخلية فقط، بل يتحول إلى عامل ينعكس في البيئة الإقليمية والدولية. إذ إن أي حرب تُدار بلا غايات قابلة للقياس سياسياً—مثل ترتيبات أمنية أو مسارات دبلوماسية أو مخرجات ملموسة—غالباً ما تؤدي إلى تراجع الثقة وارتفاع تكلفة المواجهة، سواء على الأرض أو في الساحة السياسية. وفي ظل تغير المزاج الأمريكي، تصبح هذه التكلفة أكثر تعقيداً، لأن الدعم الخارجي عادةً ما يتأثر بمزيج من الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية والسياسية، وليس بالقوة العسكرية وحدها.
وبناءً على ذلك، يرى فهمي أن التحدي أمام إسرائيل مزدوج: من جهة، الحاجة إلى تحديد أهداف نهائية واضحة ترتبط بحلول سياسية يمكن ترجمتها إلى نتائج؛ ومن جهة ثانية، التعامل مع احتمالات تراجع أو تعقّد الدعم الأمريكي في ظل تحولات الرأي العام، خصوصاً وسط الشباب الأمريكي. وفي حال استمرار الغموض وضعف “الإطار السياسي” المصاحب للعمليات، فإن تل أبيب—وفق تقديره—قد تجد نفسها أمام أزمة ممتدة تمتد من ساحة المعركة إلى بنية القرار ومستقبل التوافقات الخارجية.

التعليقات