كشفت الحكومة الأسترالية عن أول تقييم رسمي لفاعلية قرار حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عامًا، والذي بدأ تطبيقه في نهاية عام 2025. وتظهر النتائج أن القانون أسهم في تقليص امتلاك الأطفال لحسابات على بعض المنصات المستهدفة، لكنه لم ينجح حتى الآن في إبعادهم عن الفضاء الرقمي بالكامل، إذ واصل كثيرون الوصول إلى المحتوى عبر منصات بديلة أو من خلال الالتفاف على القيود العمرية.
يعتمد التقرير على دراسة استمرت عامين نفّذتها هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية، وشملت أكثر من 4100 طفل وعائلة. وتمت جمع البيانات الأولية بعد ثلاثة أشهر فقط من بدء تطبيق القانون، ما يجعل النتائج بمثابة “لمحة مبكرة” عن تأثير التنظيم، خصوصًا أن دولًا أخرى تنظر إلى التجربة الأسترالية كنموذج محتمل لتنظيم استخدام الأطفال للمنصات الاجتماعية.
تراجع في الحسابات.. لا في الاستخدام
أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن نسبة الأطفال دون 16 عامًا الذين يمتلكون حسابات على المنصات المشمولة بالحظر انخفضت من 52.4% إلى 42.1%. كما أفاد نحو ثلث المشاركين بأن حساباتهم تم إغلاقها أو تعليقها نتيجة تطبيق القواعد الجديدة.
لكن الصورة لا تعكس انخفاضًا موازياً في “الاستخدام”، إذ تشير النتائج إلى أن 81.5% من الأطفال استخدموا إحدى المنصات المحظورة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من بدء الحظر. ويعزى ذلك، وفق التقرير، إلى أن بعض الخدمات تتيح مشاهدة المحتوى دون الحاجة إلى حسابات، مثل YouTube وTwitch، وهو ما يجعل تأثير الحظر على “إنشاء الحساب” محدودًا مقارنة بتأثيره على “التعرّض للمحتوى”.
كما يوضح التقرير أن YouTube بقي المنصة الأكثر استخدامًا بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عامًا، بينما استمرت منصات مثل TikTok وSnapchat وInstagram في جذب نسبة كبيرة من المستخدمين الصغار.
منصات بديلة وثغرات في التطبيق
في سياق التحايل والبحث عن بدائل، رصد التقرير ارتفاعًا في استخدام منصات غير مشمولة بالحظر. فقد ارتفعت نسبة مستخدمي Pinterest من 16.6% إلى 21.8%، وشهدت BeReal نموًا ملحوظًا، كما بدأت منصة Mastodon تسجيل حضور محدود بين الأطفال.
وفي المقابل، كشف التقرير عن وجود ثغرات واضحة تقلل من أثر القانون. فأشار نصف الأطفال المشاركين إلى أن المنصات لم تطلب منهم التحقق من أعمارهم عند إنشاء الحساب. كذلك، أقر أكثر من ثلث المشاركين بأن أعمارًا أكبر من أعمارهم الحقيقية تم تسجيلها في الحسابات. وذكر 11% أن أولياء أمورهم ساعدوهم في تجاوز القيود العمرية، بينما أكد 7.4% استخدامهم خدمات VPN للوصول إلى المنصات المحظورة.
وتعني هذه النتائج أن المشكلة لا ترتبط فقط بعمر المستخدم، بل أيضًا بآليات التحقق من الهوية والتحقق من العمر، ومدى التزام المنصات بإجراءات تمنع الوصول غير المصرح به.
آثار اجتماعية محدودة
على الجانب النفسي والاجتماعي، توضح البيانات أن الحظر لم يغيّر بصورة جذرية شعور الأطفال تجاه وسائل التواصل. فقد انخفضت نسبة الأطفال الذين يخشون تفويت ما يحدث على المنصات من 43.3% إلى 36.3%، وهو انخفاض ملحوظ لكنه لا يزال يعني أن الأغلبية ما زالت متأثرة بعادات التصفح.
كما أشار التقرير إلى أن عددا محدودا فقط من الأطفال شعر بانخفاض التواصل مع أصدقائهم أو واجه صعوبة في التواصل بعد تطبيق الحظر. وفي المقابل، رأى آخرون أن القيود جعلتهم يشعرون بأمان أكبر على الإنترنت، وساهمت في تحسين تفاعلهم مع محيطهم.
ولفت التقرير كذلك إلى تراجع معرفة أولياء الأمور بكيفية استخدام أبنائهم لوسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا بين الفتيات والأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عامًا، ما يعكس فجوة بين أساليب الرقابة الأبوية وبين كيفية وصول الأطفال للمحتوى عبر بدائل أو طرق مختلفة.
المراسلة والألعاب تستفيد.. والذكاء الاصطناعي ثابت
أحد أبرز التغيرات السلوكية التي رصدها التقرير هو انتقال الأطفال إلى مسارات رقمية أخرى. فقد ارتفع استخدام تطبيقات المراسلة من 40.5% إلى 52.3%، كما زاد الإقبال على ألعاب الفيديو من 26.4% إلى 29% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من تطبيق الحظر. وتشير هذه التحولات إلى أن قيود الحسابات على منصات اجتماعية بعينها قد تدفع المستخدمين إلى استخدام قنوات أخرى أكثر ارتباطًا بالاتصال أو الترفيه.
أما بالنسبة لأدوات الذكاء الاصطناعي، فأكد التقرير أنه لم تُسجل أي تغييرات ذات دلالة إحصائية في معدل استخدام الأطفال لروبوتات الدردشة أو المساعدين الرقميين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي. وبذلك، يبدو أن القانون – حتى الآن وبحسب هذه المرحلة الزمنية – لم يحد من هذا النوع من الخدمات بنفس الطريقة التي تأثر بها استخدام المنصات الاجتماعية المستهدفة.
ومع استمرار تطبيق القواعد، ستحتاج النتيجة إلى مزيد من الوقت لتقييم أثرها على المدى الأبعد، خاصة بعد معالجة ثغرات التحقق من العمر، ومراقبة ما إذا كان انتقال الأطفال إلى بدائل محددة سيتسع أو سيبدأ بالانحسار مع تحسن إجراءات الامتثال لدى المنصات.

التعليقات