تتزايد التوقعات بأن تُشكّل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة نقطة انعطاف حقيقية نحو تخفيف المعاناة الإنسانية وفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار، وسط مساعٍ إقليمية ودولية لدفع الاتفاق إلى التنفيذ الكامل. ورغم أهمية تثبيت وقف إطلاق النار، يبقى نجاحه مرتبطًا بقدرة الأطراف المعنية على الالتزام الصارم ببنوده وتقليل احتمالات الانزلاق مجددًا نحو التصعيد.
يرى الدكتور أحمد رفيق عوض، مدير مركز المتوسط للدراسات، أن التنفيذ الكامل للمرحلة الثانية يحمل أثرًا كبيرًا على الأرض، لكون أولى نتائجه تنحصر في وقف إطلاق النار بما يشمل إنهاء الاغتيالات والاقتحامات. وحين تتحقق هذه المعادلة، يمكن أن تبدأ دورة “التعافي المبكر” التي تسبق عادةً خطوات إعادة الإعمار الكبرى، عبر استعادة حد أدنى من القدرة على العيش والعمل بدلًا من البقاء في حالة طوارئ ممتدة.
وفي هذا الإطار، تؤكد الخطط المرتبطة بالتعافي المبكر ضرورة أن تكون الأولوية للمأوى والخدمات الأساسية. فإلى جانب توفير مساكن مؤقتة للنازحين عبر الكرفانات أو الوحدات الجاهزة، يُفترض أن تشمل الاستجابة ملفات حيوية مثل المياه والكهرباء والاتصالات، لأن هذه الخدمات ليست ترفًا بل شرط لوقف تدهور الأوضاع الصحية والاجتماعية. كما أن تحسين ظروف السكن المؤقت يسهم في تقليل مخاطر الأوبئة التي ترتبط عادةً بالاكتظاظ وسوء الوصول إلى المياه النظيفة.
ويشدّد الخبير كذلك على أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تبدأ فعليًا دون استقرار سياسي وأفق واضح يمنع عودة الحرب. فمن دون ضمانات واقعية، ستتردد الجهات المانحة والمستثمرون في ضخ الأموال أو تفعيل مشروعات البنية التحتية وإعادة تشغيل الاقتصاد المحلي، لأن أي تكرار للدمار سيحوّل التمويل إلى دورة جديدة من الاستجابة الطارئة بدلًا من البناء. لذلك يُنظر إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار بوصفه “الشرط التأسيسي” الذي يحدد مدى إمكانية الانتقال من مرحلة الطوارئ إلى مرحلة العمل الإنمائي.
وتوسّع خطة التعافي المبكر نطاقها لتشمل إعادة تشغيل الخدمات الحيوية، وليس المأوى فقط. فالتركيز يجب أن يطال قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة المرتبطة بالمياه والكهرباء والاتصالات، بما يسمح باستعادة قدر من النظام اليومي للسكان. وفي الجوانب الصحية، تُعد إعادة تفعيل المستشفيات والعيادات وفرق الطوارئ عنصرًا أساسيًا للحد من وفيات الإصابات وتفاقم الأمراض المزمنة. أما في قطاع التعليم، فتظل العودة التدريجية لمدارس آمنة أو بدائل تعليمية من أولويات تخفيف آثار الحرب على الأطفال.
وفي المقابل، يشير عوض إلى أن استمرار التعنت الإسرائيلي يمثل العائق الأكبر أمام تحقيق أهداف المرحلة الثانية، لأنه قد يعرقل تنفيذ الالتزامات المتعلقة بوقف الانتهاكات ويفشل مسار التعافي. كما أن أي تعطيل في تدفق المساعدات أو تأخير وصول المواد اللازمة لإصلاح البنية التحتية سيؤدي إلى إطالة الأزمة وتعقيد جهود إعادة الإعمار.
وبالتالي، فإن المرحلة الثانية تُختبر فعليًا عبر مؤشرات محددة: مدى الالتزام بوقف إطلاق النار، سرعة توفير المأوى والخدمات الأساسية للنازحين، القدرة على إعادة تشغيل مرافق الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والاتصالات، وتثبيت بيئة سياسية تمنح المانحين ثقة حقيقية في أن الأموال ستُترجم إلى بناء مستدام وليس إلى معالجة أضرار جديدة. وإذا تحققت هذه العناصر، يمكن أن تتحول المرحلة الثانية إلى بوابة عملية لتخفيف الأزمة الإنسانية وتمهيد طريق إعادة الإعمار وفق رؤية أكثر شمولًا واستدامة.

التعليقات