تُعدّ الأسرة البيئة الأولى التي تتشكل من خلالها شخصية الأبناء، وتظهر فيها قيمهم وسلوكياتهم واتجاهاتهم نحو الحياة. ويؤكد المتخصصون في علم وتوجيه الأسرة أن نجاح التربية لا يرتبط بتوفير المال أو الاحتياجات المادية فقط، بل يعتمد على وجود توازن حقيقي بين أدوار الأب والأم داخل المنزل، بما يشمل المتابعة والاحتواء والحوار والدعم النفسي، إلى جانب الرعاية المعيشية. فحين تتكامل هذه العناصر تنعكس إيجابًا على استقرار الأبناء، وعلى تماسك الأسرة، ثم على استقرار المجتمع ككل.
لماذا لا يُغني الإنفاق وحده عن الدور التربوي؟
قد يظن البعض أن دور الأب أو الأم يقتصر على جانب واحد؛ الأب على الإنفاق، والأم على الرعاية اليومية. لكن الواقع أعمق من ذلك: فالأب والأم كِلاهما يمثلان “مركز الأمان” العاطفي والمعرفي للأبناء. الإنفاق يلبّي احتياجات الحياة، أما التربية المتوازنة فتُسهم في بناء الثقة بالنفس، وتنظيم المشاعر، واكتساب مهارات التعامل مع الآخرين.
لذلك يرى الخبراء أن استقرار الأسرة ونجاحها لا يتحقق بالمال وحده، بل بالتعاون الحقيقي بين الطرفين في التربية. فلكل دور خصوصيته التي لا يمكن أن يحل محلها الطرف الآخر دون أن تتأثر جودة العلاقة والنتائج التربوية.
مسؤولية الأب: حضور مؤثر لا يقل أهمية عن الإنفاق
يشدد المستشار أيمن محفوظ، المحامي بالنقض والخبير الأسري، على أن دور الأب لا يقتصر على تأمين متطلبات المعيشة، بل يشمل حضورًا فعّالًا في حياة أبنائه. فالأب حين يكون حاضرًا بطريقة واعية—بالاستماع والمشاركة والتوجيه—يسهم في تقوية الروابط العاطفية، ويزيد من شعور الأبناء بالأمان والاستقرار.
ويؤكد أن وجود الأب في حياة أبنائه لا يقل أهمية عن أي مسؤولية أخرى داخل الأسرة. فالتوجيه الأبوي يعزز السلوك الإيجابي ويمنح الأبناء إطارًا واضحًا للقيم والسلوكيات المقبولة، كما يساهم في خفض التوترات داخل المنزل عبر وجود “مرجعية” داعمة ومتزنة.
توفير متطلبات المعيشة مع دعم نفسي وحوار مستمر
وفي حديثه ضمن برنامج “خط أحمر” المذاع على قناة الحدث اليوم، يوضح المستشار محفوظ أن دور الأب يتجاوز توفير احتياجات المعيشة ليشمل جوانب لا تقل أهمية عن المسؤوليات المالية، مثل:
- الدعم النفسي عبر الإصغاء وفهم مشاعر الأبناء بدل الاكتفاء بالتوجيه السريع.
- الحوار المستمر لتخفيف الفجوة بين الأجيال ومعرفة ما يدور داخل عالم الأبناء.
- الاحتواء عند الأزمات الدراسية أو الاجتماعية أو النفسية.
- متابعة مراحل النمو المختلفة، سواء في الدراسة أو الهوايات أو العلاقات.
كما يشير إلى أن انشغال الأب بالعمل لأجل حياة كريمة لا يعني إغفال الأبناء، بل يستدعي تنظيم الوقت وتخصيص دقائق يومية أو جلسات أسبوعية للحديث والمشاركة. فالأبناء بحاجة إلى الاهتمام والتوجيه والكلمة الطيبة بقدر حاجتهم لتوفير متطلبات الحياة.
ومع اتساع ضغوط الحياة الحديثة، يصبح وجود روتين تربوي مشترك أمرًا ضروريًا: مثل متابعة الواجبات بشكل داعم، أو حضور نشاط مدرسي، أو ممارسة نشاط رياضي/ثقافي معًا. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا في تكوين شخصية الأبناء.
التربية مسؤولية مشتركة لبناء شخصية متوازنة
التربية ليست مهمة فردية تُترك لطرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة بين الوالدين. عندما ينجح كل منهما في أداء دوره—الأب بتواجده ودعمه وحضوره، والأم بتقديم الرعاية اليومية وتهيئة البيئة العاطفية—يتكون لدى الأبناء توازن نفسي وسلوكي يساعدهم على مواجهة التحديات لاحقًا.
ومن المهم أيضًا أن يتفق الوالدان على أسلوب التربية: حدود واضحة دون قسوة، تشجيع بدل توبيخ مستمر، وتقويم للسلوك دون المساس بالكرامة. كما يُنصح بتوحيد الرسائل أمام الأبناء حتى لا يحدث تضارب تربوي يربكهم.
كيف تُسهم الأسرة المتعاونة في مجتمع أقوى؟
يختتم المستشار محفوظ حديثه بتأكيد أن المجتمع القوي يبدأ من أسرة مستقرة نفسيًا واجتماعيًا. فحين يتعاون الأب والأم في التربية وتتعزز العلاقات داخل المنزل، تنشأ أجيال قادرة على تحمل المسؤولية والإسهام في تنمية المجتمع.
إن الأبناء الذين يشعرون بالأمان العاطفي، ويكتسبون مهارات الحوار والتعامل مع الضغوط، يكونون أكثر قدرة على النجاح الدراسي والمهني لاحقًا. كما تصبح لديهم قيم مثل الاحترام، والتعاون، وتقدير دور الآخرين.
أفكار عملية تعزز دور الأب والأم
ولتعميق مفهوم “التربية المتوازنة”، يمكن للوالدين تطبيق ممارسات بسيطة لكنها فعّالة، مثل:
- جلسات حوار قصيرة منتظمة بدل الحديث المتقطع عند الخلاف.
- تشجيع الأبناء على التعبير عن مشاعرهم دون خوف من الحكم.
- مشاركة الأب في تفاصيل يوم الأبناء: الدراسة والهوايات والتحديات.
- متابعة تقدم الأبناء بشكل واقعي مع مكافأة الجهد لا النتائج فقط.
- وضع قواعد منزلية واضحة ومتفق عليها بين الطرفين.
في النهاية، لا يمكن تعويض دور الأب أو الأم بجانب واحد؛ فالأب والأم معًا هما الأساس في تشكيل شخصية الأبناء، وتحقيق التوازن الذي يحميهم من الاضطراب، ويؤهلهم ليكونوا أفرادًا فاعلين في مجتمعهم.

التعليقات