التخطي إلى المحتوى

أعلنت ناسا عن اقتراب موعد إطلاق تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (Roman Space Telescope) في 30 أغسطس عبر صاروخ من شركة سبيس إكس، في خطوة تمثل إضافة نوعية للمنظومة العلمية للوكالة ضمن سلسلة المراصد الفضائية الكبرى مثل هابل وجيمس ويب. ووفقًا للتحديثات الأخيرة، تستعد المهمة لأن تصبح إحدى أكثر المهام إنتاجًا للبيانات في تاريخ الاستكشاف الفضائي، مع تأكيدات بأن العدّ التنازلي أصبح قريبًا للغاية.

### موعد الإطلاق وتفاصيل الحملة
بحسب ما ورد، سيتم إطلاق تلسكوب رومان الذي تصل تكلفته إلى نحو 4 مليارات دولار على متن صاروخ سبيس إكس في 30 أغسطس، وذلك قبل الموعد المخطط له بتسعة أشهر تقريبًا. وبحسب تصريحات جيريمي بيركنز، عالم تكامل واختبار تلسكوب رومان، فإن ما سيحدث خلال الأسابيع الأولى بعد الإطلاق يشمل تشغيل سلسلة الاختبارات اللازمة، ثم فتح غطاء الفتحة القابل للنشر، والبدء الفعلي في رصد السماء، يلي ذلك إرسال البيانات إلى الأرض لأول مرة.

### لماذا يُعد موقع لاغرانج 2 مهمًا؟
يتجه تلسكوب رومان إلى ما يُعرف بنقطة لاغرانج 2 (L2)، وهي منطقة مستقرة جاذبيًا تقع على بُعد يقارب مليون ميل بين الأرض والشمس. وتُعد هذه النقطة مفضلة للمرصدات الفضائية لأنها تساعد على الحفاظ على ثبات اتجاه التلسكوب وتقليل التعرض لاضطرابات الحرارة، ما ينعكس مباشرة على جودة القياسات.

فعند العمل في لاغرانج 2، يمكن للتلسكوب الاعتماد على تصميم يوجّه ألواح الطاقة الشمسية نحو الشمس لتوليد الكهرباء باستمرار، بينما يتم حماية الأجهزة الحساسة من التفاوتات الحرارية عبر درع حراري مصمم لهذا الغرض. ويمنح هذا النمط من المواقع قدرة أكبر على الاستمرار في المراقبة بجودة عالية لفترات أطول.

### وقود المهمة وما الذي تغيّره ناسا؟
جاء هذا الإعلان عقب أيام قليلة من إشارة ناسا إلى أن المركبة الفضائية رومان كانت مُحملة بوقود الهيدرازين، وهو وقود معروف بكفاءته، لكنه في الوقت نفسه سام وغير مستقر. وبسبب هذه الخصائص، تدرس الوكالة بدائل أكثر أمانًا واستقرارًا، على الرغم من أن الهيدرازين يظل مستخدمًا على نطاق واسع إلى أن تتوفر بدائل مناسبة ومؤهلة بالكامل.

### حجم البيانات: رومان يفتح فصلًا جديدًا
من أبرز ما يميز تلسكوب رومان قدرته غير المسبوقة على إنتاج كم هائل من البيانات. تشير التوقعات إلى أن رومان سيجمع ما يزيد عن 500 تيرابايت سنويًا. وحتى للتقريب، فإن تلسكوب هابل الذي قدّم سنوات طويلة من الخدمة أنتج في مجمل خدمته قرابة 400 تيرابايت من البيانات. وهذا يعني أن رومان لا يرفع فقط جودة الرصد، بل يتجاوز كذلك حدود كمية البيانات التي اعتدنا عليها من المراصد السابقة.

وترتبط هذه القدرة كذلك بتركيز رومان على مسوح واسعة وسريعة. ووفقًا لما ذكرته جولي ماكنيري، كبيرة علماء مشروع رومان، فإن دقة وحساسية رومان ستكون قريبة جدًا من مستوى تلسكوب هابل، لكن سرعة مسح السماء ستكون أعلى بكثير. وكنقطة مقارنة لافتة، فإن شهرًا واحدًا من ملاحظات رومان لمسح مجرتنا درب التبانة سيقارب زمنًا يعادل قرنًا تقريبًا عند استخدام هابل للغرض ذاته.

### “بحجم عرض هائل”: مثال توضيحي على масштаб المسح
لتوضيح اتساع نطاق المسح المرصود، أشارت ماكنيري إلى أن عرض صورة واحدة عالية التفاصيل من أكبر مسح أجراه رومان بالكامل قد يتطلب أكثر من نصف مليون جهاز تلفزيون بدقة 4K. وذكرت مثالًا على حجم البيانات المطلوبة من حيث المساحة التي تغطيها تلك الشاشات—حيث يمكن أن تمتد لتغطي ما يقارب 45 مربعًا سكنيًا في مانهاتن—ما يعكس ضآلة المقاييس اليومية أمام حجم التقدّم الذي تقدمه المهمة.

### ما الذي ستضيفه المهمة علميًا؟
بفضل موقعه في لاغرانج 2 وقدرته على تنفيذ مسوح سريعة وعميقة، يُتوقع أن يسهم تلسكوب رومان في توسعة فهمنا للكون من خلال رصد مجالات واسعة من السماء بدقة عالية، ودعم أبحاث متعددة تشمل دراسة المجرات والهياكل واسعة النطاق، ومتابعة الظواهر العابرة، وتحسين النماذج التي تفسر تطور الكون. كما أن كمية البيانات الضخمة ستدفع إلى تطوير تقنيات تحليل متقدمة وأدوات ذكاء اصطناعي لمعالجة الرصدات واستخراج النتائج علميًا.

### خطوة قريبة نحو “مرصد القرن القادم”
ومع بقاء حوالي شهر واحد فقط على الانطلاق، يدخل تلسكوب نانسي غريس رومان مرحلة جديدة من التحضير التي تتضمن الاختبارات النهائية وبدء الملاحظات الأولى وإطلاق مسوحه الكبرى. وإذا كانت المؤشرات الحالية دقيقة، فستكون هذه المهمة واحدة من أبرز محطات وكالة ناسا القادمة في مجال الفضاء، ليس فقط من حيث جودة الرؤية، بل كذلك من حيث السرعة والقدرة على جمع بيانات تُغيّر طريقة فهمنا للكون عبر مساحات أوسع وزمن أقصر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *