تؤكد الدكتورة روند هاني، الاستشارية النفسية والأسرية، أن ما يصفه كثير من الشباب بأنه «الحب الأول» خلال مرحلة المراهقة لا يكون بالضرورة حبًا بالمعنى الحقيقي، بل غالبًا ما يكون انجذابًا ومزيجًا من الحماس المرتبط بالبدايات. ففي تلك المرحلة قد يشعر الشخص باهتمام واحتواء للمرة الأولى، فيفسر هذه المشاعر كتجربة استثنائية لن تتكرر، رغم أن جوهر الحب الحقيقي يحتاج إلى عناصر أعمق من مجرد الإعجاب أو شدة الانفعال.
وتوضح الاستشارية خلال حديثها في برنامج «خط أحمر» الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم أن الحب الحقيقي يختلف عن مشاعر الغرام والإعجاب؛ لأن الحب الناضج يرتبط بالنضج النفسي وتحمل المسؤولية وبناء حياة مشتركة على أسس واقعية. أما العلاقات التي تسبق الزواج، فتكون في كثير من الحالات قائمة على تلبية احتياج عاطفي سريع أو رغبة في الشعور بالخصوصية والاهتمام، أكثر من كونها علاقة مستقرة تتضمن احترامًا متبادلًا وتخطيطًا للمستقبل.
كما تشير إلى أن الذاكرة قد تحتفظ بتفاصيل تجربة بعينها أو بطريقة شعور الشخص خلالها، لكن هذا لا يعني بالضرورة الاستمرار بذات المشاعر تجاه الشخص نفسه. فالاستدعاء الذهني للذكريات يختلف عن استمرار الرغبة أو الرابطة العاطفية؛ إذ قد يعود الإنسان للتفاصيل لأنه يشعر بالحنين إلى مرحلة محددة أو إلى الإحساس المصاحب لها، لا لأنه يريد العودة فعليًا إلى نفس العلاقة.
ومن النقاط الجوهرية التي تطرحها الدكتورة روند هاني أن من أحب بصدق يستطيع أن يحب مرة أخرى، لأن الإنسان يتغير مع الوقت ويكتسب خبرات تساعده على فهم ذاته بشكل أفضل. فحين يمرّ الشخص بتجارب مختلفة ويطور قدرته على التواصل واتخاذ القرار، يصبح أكثر وعيًا بما يحتاجه وما يليق به، ما يساعده على بناء ارتباط أكثر نضجًا. وتلفت أيضًا إلى أن العلاقات التي تبدو للبعض «حبًا كبيرًا» قد يتضح لاحقًا أنها كانت محاولة لتعويض احتياج نفسي غير مكتمل، مثل الحاجة للتقدير أو الشعور بالقبول أو ملء فراغ عاطفي.
ولتعزيز فكرة النضج النفسي، توضّح أن الإنسان الأكثر نضجًا يكون عادة أكثر قدرة على اختيار شريك الحياة المناسب بعيدًا عن الاندفاع العاطفي. كما يصبح قادرًا على التمييز بين الإعجاب المؤقت والتوافق الحقيقي، وبين مشاعر البداية القوية وبين استدامة العلاقة على المدى الطويل. وبدلًا من التركيز على «قوة الشعور» وحدها، يتجه التفكير إلى الأسس التي تصنع علاقة ناجحة: وضوح النوايا، الاحترام، القدرة على الحوار، والالتزام بالمسؤوليات.
وبذلك، يصبح «الحب الأول» في المراهقة تجربة تعليمية ومهمة في تشكيل المشاعر والتجارب، لكنه لا يعني تلقائيًا أن الشخص سيظل مرتبطًا بنفس الشخص أو بنفس الإحساس إلى الأبد. فالعبرة ليست بما يشعر به الفرد في البداية فقط، بل بما يطوره من وعي ونضج وقدرة على بناء علاقة واقعية ومستقرة، حين يصبح الحب قادرًا على تحمل المسؤولية وصناعة مستقبل مشترك.

التعليقات