قال الدكتور أحمد قنديل، رئيس وحدة الدراسات الدولية بمركز الأهرام، إن ما جرى في الأيام الأخيرة لا يمكن اعتباره مجرد تطورات عابرة، بل يمثل انهيارًا كاملًا للهدنة الهشة التي تم التوصل إليها في 17 يونيو الماضي، بما يعني عمليًا تراجعًا كبيرًا لمرحلة بناء الثقة بين واشنطن وطهران.
وأوضح خلال حديثه مع الإعلامية هاجر جلال في برنامج «منتصف النهار» المذاع على قناة القاهرة الإخبارية، أن صياغة الهدنة ما زالت تعاني فجوة واضحة بين الموقفين الأمريكي والإيراني، وهو ما يفسر تسارع الأحداث بدلًا من تهدئة التوتر. فبدلًا من أن تتحول مرحلة التفاهم إلى مسار ثابت، تبدو الأمور وكأنها في مرحلة شد وجذب مستمرة.
ووفقًا لرؤيته، تشهد العلاقات بين الطرفين نمطًا من «ليّ الأصابع» بشكل متبادل، خصوصًا في طريقة توظيف ما تسمّيه الأطراف أدوات ضغط لتحقيق مكاسب تفاوضية. وأشار إلى أن الهجمات الأخيرة المنسوبة لإيران على عدد من دول المنطقة يمكن فهمها ضمن سياق أوسع للضغط على الجانب الأمريكي، ليس فقط سياسيًا، بل أيضًا اقتصاديًا، بهدف التأثير في الحسابات المتعلقة بالحقوق التي ترى إيران أنها ينبغي أن تحصل عليها في إطار اتفاق وقف إطلاق النار أو مذكرة التفاهم التي أوقفت التصعيد في السابق.
وأضاف أن هذا النوع من التحركات يحمل رسالة مزدوجة؛ من جهة يحاول توسيع هامش الخيارات لدى إيران في ملف التفاوض، ومن جهة أخرى يرفع كلفة أي تقاعس أو بطء من جانب الولايات المتحدة. كما أن التركيز على مناطق إقليمية بعينها يعكس اهتمام طهران بتوجيه الضغط خارج سياق المباحثات المباشرة، بحيث تمتد آثار التوتر إلى الاقتصاد العالمي وإلى مسارات التجارة والطاقة في المنطقة.
ولتعقيد المشهد أكثر، لفت الدكتور أحمد قنديل إلى أن الرئيس الأمريكي على موعد مع انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، وهو عامل سياسي حساس يؤثر بصورة مباشرة على الأولويات الأمريكية خلال الفترة المقبلة. وأكد أن من أبرز ما يهم واشنطن في هذه المرحلة عدم ارتفاع أسعار الطاقة، ولا سيما أسعار البنزين في الولايات المتحدة، لأن ذلك يعد من العوامل التي تؤثر على توجهات الناخبين الأمريكيين بشكل واسع، وقد ينعكس على المزاج العام داخل الولايات المتحدة.
وبناءً على ذلك، تصبح أي محاولة لرفع التكاليف الاقتصادية أو خلق حالة عدم استقرار في المنطقة جزءًا من حسابات الضغط المتبادلة قبل الاستحقاق الانتخابي. فكلما اقتربت الانتخابات زادت الحاجة لدى صانعي القرار الأمريكي إلى تجنب ما قد يؤدي إلى توتر أسعار الوقود والطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما يفسر، من وجهة النظر التحليلية المطروحة، سبب حساسية الولايات المتحدة لأي تصاعد ميداني مرتبط بالمنطقة.
وبالتوازي، فإن الحديث عن الهدنة لا يزال يتطلب معالجة الأسباب التي تقف خلف الفجوة بين الطرفين، بما في ذلك اختلاف تفسير الالتزامات، وتباين فهم مسار رفع القيود أو تبادل الخطوات. ورغم التفاهمات التي وقفت النزاع مؤقتًا، فإن غياب الضمانات الكافية أو وجود تضارب في قراءة كل طرف للنوايا قد يفسر استمرار الانزلاق نحو تصعيد دوري، كلما احتاج أحد الأطراف إلى ورقة تفاوضية جديدة.
في المحصلة، يرى الدكتور أحمد قنديل أن ما يجري اليوم أقرب إلى اختبار متبادل للقدرات والحدود، أكثر من كونه مسارًا لاستقرار طويل المدى. كما أن استمرار الضربات في الخليج والأردن قد يحمل مؤشرات على رغبة طهران في إعادة تشكيل شروط التفاوض، وتحريك ملف الضغط باتجاه حسابات أمريكية داخلية مرتبطة بالاقتصاد والانتخابات، قبل أن ينعكس ذلك على فرص استمرار الهدنة أو الوصول إلى تفاهمات أكثر صلابة.

التعليقات