أكد الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بتمويل التنمية المستدامة، أن توطين أهداف التنمية المستدامة يمثل جوهر تنفيذها على أرض الواقع، مشدداً خلال فعالية خاصة لتحالف Local2030 بعنوان «النهوض بالهدف الحادي عشر للتنمية المستدامة والأجندة الحضرية الجديدة: العمل المحلي من أجل تسريع التقدم العالمي» على ضرورة أن تبقى المجتمعات والمواطنون في قلب السياسات التنموية.
وجاءت الفعالية ضمن أعمال المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة لعام 2026 في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وتركزت على سبل تعزيز الحوكمة متعددة المستويات وكيفية توجيه التمويل نحو الأولويات والمشروعات المحلية لضمان تسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، بما يتوافق مع مقتضيات التنمية الحضرية والريفية وإدماج البعد المحلي في التخطيط والتمويل.
وتناول النقاش أهمية مشاركة منظومة الأمم المتحدة على المستويين المحلي ودون الوطني، إلى جانب تطوير نظم أكثر فاعلية للحوكمة والتنسيق بين المؤسسات، بما يضمن انتقال السياسات من مستوى الاستراتيجية إلى مستوى التنفيذ الفعلي في المدن والبلدات والقرى.
المواطنون أولاً: توطين التنمية كشرط للنتائج
وشدد محيي الدين على أن توطين أهداف التنمية ليس مجرد شعار، بل عملية تنظيمية تتطلب إعادة بناء أدوات التخطيط والتمويل بحيث تعكس احتياجات السكان بشكل مباشر، من خلال إشراك المجتمعات في تحديد الأولويات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ورفع كفاءة الجهات المحلية المكلفة بالتنفيذ.
وأشار إلى أن التمويل لا يتدفق تلقائياً، بل يرتبط بوجود مؤسسات قوية وسياسات متناسقة وشراكات موثوقة، بالإضافة إلى إعداد مشروعات قابلة للاستثمار وقادرة على توليد أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
ربط الأولويات بالموازنات: حيث تتحول الخطة إلى إنفاق
وأوضح محيي الدين أن توفير التمويل للمناطق المحلية يتطلب ربط الأولويات التنموية بالموازنات العامة، مؤكداً أن المجالات مثل التعليم والصحة وفرص العمل لا تحقق قيمة فعلية ما لم ينعكس ذلك بوضوح في المخصصات المالية الوطنية والمحلية. وأضاف أن إدراج الأهداف في الموازنات يسمح بقياس التقدم وتوجيه الموارد وفقاً للاحتياجات الفعلية ونتائج الأداء.
التكاليف والموارد ضمن أطر وطنية متكاملة
ولفت إلى أهمية الأطر الوطنية المتكاملة للتمويل باعتبارها الإطار الذي يجمع بين التمويل العام والخاص ويحدد التكاليف والأولويات، مع التأكيد على عدم اختزال التنمية في مشروعات منفصلة. وبدلاً من ذلك، ينبغي تنفيذ التنمية ضمن منظومة مترابطة تحقق آثاراً شاملة، من خلال مواءمة التدخلات القطاعية وتكاملها مع بعضها.
كما شدد على ضرورة تطوير آليات لتحديد التكاليف وتوقع الموارد بدقة، وربطها بالنتائج المتوقعة، بما يسهم في تقليل الهدر وتعزيز جودة التنفيذ، وتحسين القدرة على الاستفادة من التمويل والاستدامة المالية للمشروعات.
من تعبئة الموارد على المستوى الوطني إلى تمكين المستوى المحلي
وبيّن محيي الدين أن الانتقال المطلوب هو الانتقال من تعبئة الموارد على المستوى الوطني إلى تعبئتها على المستوى المحلي أيضاً. فحين تمتلك المحافظات والمدن والقرى القدرة على إدارة الإيرادات والأصول والالتزامات والنفقات بصورة أكثر كفاءة، يصبح من الممكن تحسين سرعة الاستجابة للاحتياجات، وزيادة فاعلية الإنفاق، وتحسين التخطيط المالي بما ينسجم مع الأولويات التنموية.
وأكد كذلك أهمية تعزيز التعاون الإقليمي والاستفادة من التجارب العملية الناجحة، بما يتيح نقل المعرفة وتطبيق حلول أثبتت فعاليتها في سياقات مختلفة.
إصلاح النظام المالي العالمي لا يلغي العمل الوطني والمحلي
وأشار إلى أن إصلاح النظام المالي العالمي يجب ألا يمنع الدول من تطوير هياكلها المالية الوطنية والمحلية والإقليمية. وأكد أن البداية يجب أن تكون بما هو متاح بالفعل، عبر تعبئة التمويل العام والخاص، والاستفادة من المعرفة والتكنولوجيا، وبناء القدرات لدى الجهات المحلية لضمان إدارة أفضل للموارد وتمكين تنفيذ أكثر كفاءة.
مشاركون وقيادة جلسة الحوار
وشارك في الجلسة أنطونيو دا كوستا إي سيلفا، كبير المستشارين الدوليين بوزارة المدن في البرازيل، ودانيال أورتيغا، مدير تقييم الأثر والتعلم من السياسات في بنك التنمية لأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وإليزابيث مريما، نائبة المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وأندر كاباييرو، أمين الشؤون الخارجية بحكومة إقليم الباسك، وجوستينا كالوينايتي، رئيسة شبكة «فوروس»، فيما أدارت الجلسة ليزا كوربيل، رئيسة أمانة الصندوق المشترك لأهداف التنمية المستدامة.
وتلخصت الرسالة الرئيسية للفعالية في أن تحقيق الهدف الحادي عشر للتنمية المستدامة يتطلب عملاً محلياً فعّالاً مدعوماً بتمويل يصل إلى المجتمعات، وبحوكمة تتسم بالكفاءة والتنسيق، وبموازنات تعكس الأولويات وتترجمها إلى نتائج قابلة للقياس.

التعليقات