التخطي إلى المحتوى

قدّم الكاتب الصحفي باليوم السابع وخبير الإعلام الرقمي مايكل فارس، والمدرب في إعلام التنوع ومواجهة خطاب الكراهية، تدريبًا بعنوان «نزاعات الهوية: الجذور والتصعيد وسبل المعالجة» لأعضاء شبكة المسؤولية الاجتماعية الدينية، وذلك في معهد المواطنة وإدارة التنوع التابع لمؤسسة «أديان» في لبنان.

نزاعات الهوية: من الخلاف إلى الأزمة

ركز التدريب على المفاهيم الأساسية التي تساعد على فهم نزاعات الهوية وآليات تطورها؛ فشرح الفرق بين الخلاف والنزاع، وكيف يمكن أن ينتقل النزاع من مرحلة اختلاف محدود وقابل للاحتواء، إلى مراحل أشد تعقيدًا تشمل التوتر والاستقطاب والمواجهة ثم الأزمة المفتوحة. كما شدّد التدريب على المؤشرات التي تُعدّ «إنذارًا مبكرًا»، بما يمكّن الفاعلين من التدخل في الوقت المناسب ومنع تحوّل النزاع إلى عنف أو تهديد مباشر للتعايش.

وفي هذا السياق، استعرض مايكل فارس مثلث العنف الذي وضعه عالم دراسات السلام يوهان غالتونغ، والذي ينظر إلى العنف بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد مترابطة. وبيّن أن العنف المباشر يتمثل في الاعتداء والتهديد والإيذاء، بينما ينتج العنف البنيوي عن القوانين والمؤسسات والممارسات التي تُرسّخ الحرمان وعدم المساواة. أما العنف الثقافي فيظهر في الأفكار والصور النمطية والخطابات التي تبرر التمييز أو تجعل الإقصاء والعنف مقبولين اجتماعيًا. وأبرز التدريب أن قراءة هذه الأبعاد الثلاثة معًا تساعد على تفسير لماذا تتكرر النزاعات وكيف تتغذّى من بيئات اجتماعية وقيمية وإعلامية محددة.

خطاب الكراهية: تجلٍّ للعنف الثقافي وأداة للتصعيد

ناقش التدريب العلاقة بين مثلث غالتونغ وخطاب الكراهية، مبينًا أن خطاب الكراهية يُعد من أبرز تجليات العنف الثقافي حين يهاجم الأشخاص أو الجماعات بسبب هوياتهم، أو يصوّرهم على أنهم أقل قيمة أو مصدر تهديد، أو يقدّم تبريرات لإقصائهم من الحقوق. كما أوضح أن تكرار الخطاب قد يؤدي إلى تطبيع التمييز داخل المجال العام، وقد يمنح العنف البنيوي مبررات ثقافية، أو يمهد لوقوع العنف المباشر.

وشدد مايكل فارس على ضرورة عدم استخدام مصطلح «خطاب الكراهية» على نحو عشوائي كأنه وصف شامل لكل إساءة أو نمطية أو ممارسة تمييزية، لأن هذا قد يُضعف الدقة العلمية والقانونية للمفهوم. لذلك دعا التدريب إلى التمييز بين خطاب الكراهية وبين العنف الثقافي والتمييز البنيوي والعنف الرقمي والإساءة الشخصية؛ بما يتيح معالجة أدق للمحتوى والممارسات، بدل الاكتفاء بردود فعل عامة أو غير متناسبة.

فهم الجذور: مستويات متعددة لمصادر النزاع

تطرق التدريب إلى أسباب النزاعات على مستويات متداخلة، تشمل البنيوية والسياسية والاقتصادية والعلائقية والقيمية والهوياتية والشخصية. كما تم توضيح الفرق بين «النزاع الظاهر» كما يُلاحظ في التصريحات أو الاحتكاكات المباشرة، وبين «مصادره العميقة» التي تتراكم عبر الزمن. وجرى التفريق كذلك بين الجذور المتراكمة والعوامل المساعدة والحدث المحفز الذي يُسهم في تسريع التصعيد وتحويل الاحتقان إلى مواجهة.

أدوات عملية لتحليل النزاعات

ضمّ التدريب تطبيقات عملية لأدوات تحليل النزاعات، من بينها «بصلة النزاع»، التي تساعد المشاركين على الانتقال من المواقف المعلنة للأطراف إلى المصالح الكامنة خلف هذه المواقف، ثم إلى الاحتياجات والمخاوف الأعمق التي تقود السلوك. كما تم تناول موازين القوة وأدوار الفاعلين المباشرين وغير المباشرين، بهدف فهم من يملك التأثير الفعلي، ومن يمكنه إحداث تغيير أو تخفيف حدة النزاع.

الهوية والنزاع: متى تتحول الهويات إلى عامل صراع؟

وخلال التدريب تم تفنيد فكرة أن اختلاف الهويات يؤدي تلقائيًا إلى الصراع. وأوضح فارس أن الهوية قد تصبح عاملًا مؤثرًا عندما ترتبط بالتمييز أو الإقصاء، أو بالتنافس على السلطة والموارد، أو بالشعور بتهديد جماعة بعينها. كما ناقش المشاركون مفهوم الهوية الوطنية الجامعة، وسياسات الاعتراف بالهويات المختلفة، وكيف يمكن للاعتراف أن يسهم في معالجة التهميش وضمان المساواة وتحسين التمثيل.

في المقابل، نوقشت الحالات التي قد يؤدي فيها الاعتراف الانتقائي أو ربط الهوية بحصص وامتيازات مغلقة إلى زيادة المنافسة والاستقطاب بين الجماعات. وجرى التأكيد على أن جودة سياسات الاعتراف ومبادئها (العدالة، الشفافية، المساواة في الحقوق) هي ما يحدد ما إذا كانت ستعزز التعايش أم ستعمق خطوط الانقسام.

قراءة متعددة للسياق لبناء استجابات عادلة

أكد مايكل فارس أن تحليل نزاعات الهوية يتطلب تجاوز الروايات الأحادية والأحكام المسبقة، والنظر إلى السياق وموازين القوة والمصالح والاحتياجات المختلفة. كما شدّد على أن ذلك يساعد على تصميم استجابات أكثر عدلًا، تحمي التنوع، وتعزز المساواة، وتدعم المواطنة المشتركة بدل توسيع فجوات الهوية.

خبرة مايكل فارس

يُذكر أن الكاتب الصحفي مايكل فارس قد صدر له كتاب «إعلام الكراهية.. آليات تغطية نزاعات الهوية». كما حصل على ماجستير الإعلام الرقمي والأمن المعلوماتي من كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وزمالة الصحافة للحوار بين أتباع الديانات والثقافات من المركز العالمي للحوار «كايسيد»، وزمالة التنشئة على الأديان من معهد المواطنة وإدارة التنوع. وهو باحث دكتوراة في العلوم السياسية والاستراتيجية.

وبذلك، قدّم التدريب إطارًا معرفيًا وعمليًا يجمع بين فهم الجذور وآليات التصعيد، وتطوير أدوات تحليل تساعد الفاعلين على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا في مجالات التغطية الإعلامية، والتربية على التنوع، والمبادرات المجتمعية الرامية إلى منع العنف والإقصاء.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *