في واقعة أثارت جدلاً واسعاً داخل الصين، رصدت جامعة جنوب الصين الزراعية بمدينة قوانغتشو طالباً متلبساً بالغش أثناء الامتحانات بعد دقائق قليلة من بدء الاختبار، وذلك عندما لاحظ أحد المراقبين تغيّراً مفاجئاً في لون عدسات نظارته إلى الأخضر. وبعد طلب خلع النظارة، اعترف الطالب باستخدام نظارة ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتصوير أسئلة الامتحان ثم عرض الإجابات.
وتشير تفاصيل الحادث إلى أن الطالب كان يرتدي نظارة “ليكى” الذكية (Leki) من الطراز الذي عُرض في سبتمبر من العام الماضي. ووفقاً لما نُقل عن تقارير إعلامية، تتضمن النظارة أربع نماذج رئيسية للذكاء الاصطناعي ضمن نظامها، ما يتيح البحث عن الأسئلة وحلها بالاعتماد على الصور. وبحسب ما ذُكر، يمكن للنظارة أن تساعد في الوصول إلى الإجابات دون الحاجة إلى أوامر صوتية، عبر التقاط صورة للسؤال ثم انتظار ظهور النتيجة على العدسات.
ويُفهم من آلية الاستخدام أن الطالب كان يلتقط صورة الأسئلة بمجرد لمس إطار النظارة قرب صدغه، ثم ينتظر ظهور الإجابات أمامه. كما أفاد أنه حاول تقليل فرص اكتشافها عبر تغطية مصباح LED الموجود في الإطار، إلا أنه لم ينتبه إلى أن ضوءاً أخضر قد يتسرب عبر العدسات عند زوايا محددة، وهو ما ساهم في كشفه بسرعة. وتُظهر الواقعة أن “نظارات الغش” لا تعتمد فقط على التقنية، بل أيضاً على كيفية ظهور الإشارات البصرية المصاحبة للعملية.
ومع انتشار خبر الحادث عبر الإنترنت، انتقلت المسألة من كونها واقعة منعزلة إلى ظاهرة محل نقاش على منصات التواصل الاجتماعي. فقد أشاد بعض المستخدمين بنظارات الذكاء الاصطناعي واعتبروها وسيلة فعّالة لتجاوز الرقابة، وذهب آخرون إلى أن الضوء الأخضر يمكن إخفاؤه عبر استخدام ملصقات واقية من الشمس منخفضة التكلفة. والأكثر إثارة للقلق أن عدداً من الإعلانات بدأ يظهر على الإنترنت يعرض تأجير نظارات الذكاء الاصطناعي للطلاب مقابل مبالغ تبدأ من 200 يوان، ما قد يحول التكنولوجيا من منتج فردي إلى خدمة متاحة بسهولة حتى لمن لا يملكون أجهزة خاصة.
ولتعزيز الاستخدام داخل القاعات، نشر بعض البائعين أو المستخدمين محتوى يشرح طرق التشغيل “الصامت” وتقليل المؤشرات التي يمكن أن يلاحظها المراقبون، مع التوصية أحياناً بالاعتماد على وضع الإضاءة المنخفضة لتقليل فرص اكتشافها بصرياً. وترفع هذه المعلومات احتمالات تنامي الغش المنظم، خصوصاً إذا أصبحت المعرفة التقنية المرتبطة بالتشغيل الخفي متداولة على نطاق واسع.
أما من جانب الجامعات، فقد رصدت تقارير أن عدداً من المؤسسات في مناطق مختلفة بالصين شهدت خلال الفترة الأخيرة حالات غش مشابهة. ويرى بعض الأساتذة أن المراقبين غير مستعدين تقنياً للتعامل مع نظارات الذكاء الاصطناعي، وأن الإجراءات الحالية لا تزال تقليدية، مثل التدقيق في النظارات ذات الإطارات السميكة. وفي المقابل، حذرت لين تشي، مديرة منتجات متخصصة في النظارات الذكية، من أن النظارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد تصبح خلال المستقبل القريب شبه مطابقة للنظارات التقليدية، وهو ما يعني أن التمييز البصري وحده قد لا يكون كافياً.
ولمواجهة هذا النوع من التحديات، قد تحتاج المؤسسات التعليمية إلى تحديث سياساتها الرقابية وتدابير الفحص قبل الامتحان وأثناءه، بما في ذلك وضع ضوابط أكثر صرامة على الأجهزة القابلة للاتصال أو التصوير، وتدريب المراقبين على مؤشرات الاستخدام التقنية غير التقليدية. كما يمكن أن تتجه الجامعات إلى تعزيز أساليب الامتحان لتقليل قابلية “التقاط الأسئلة” وإعادة حلها لحظياً، عبر تنويع صياغة الأسئلة، وتقليل نمطية المحتوى، ورفع الاعتماد على أسئلة تقيس الفهم بدلاً من البحث السريع عن الإجابات.
في النهاية، تكشف واقعة قوانغتشو عن نقطة محورية تتعلق بمستقبل النزاهة الأكاديمية: فمع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتقالها إلى منتجات تبدو مألوفة للعيون، سيصبح السباق بين الابتكار الرقابي وممارسات الغش أكثر تعقيداً، وستكون الاستجابة المؤسسية السريعة والدقيقة هي الفارق بين حماية الامتحانات أو السماح بانتشار استخدام التكنولوجيا خارج إطارها التعليمي.

التعليقات