كشف الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، كواليس علاقته بالدكتور فاروق العقدة، محافظ البنك المركزي الأسبق، خلال فترة توليه حقيبة وزارة المالية في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، موضحًا أن ما بينهما لم يكن خلافًا شخصيًا، بل كان “اختلافًا في الرؤية” حول أولويات إدارة الاقتصاد والسياسة النقدية.
وأوضح غالي خلال لقائه في بودكاست “موعد مع لميس” الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، أن اختلاف زاوية النظر كان حاضرًا منذ البداية؛ فبينما كان هو ينظر إلى الاقتصاد كمنظومة متكاملة، كان محافظ البنك المركزي يركز على الجهاز المصرفي وآليات مثل الفائدة وسعر الصرف وغيرها من الأدوات المرتبطة بالسياسة النقدية.
وأشار إلى أن المحافظين في مصر غالبًا ما تكون طبيعة عملهم أقرب للجهاز المصرفي مقارنة بالاتجاه العام للاقتصاد، لافتًا إلى أن التكوين المهني للمحافظين يميل لأنهم “مصرفيون” بحكم خلفياتهم، وهو ما يجعل تركيزهم ينصب على التضخم ووسائل التعامل معه عبر أدوات نقدية.
وفي هذا السياق، شدد غالي على فكرة مهمة: أن التضخم لا ينشأ من مصدر واحد، بل قد يكون نتاجًا لتراكمات ومختلَفات “من 60 ألف حتة”، وبالتالي يحتاج لمعالجة تتداخل فيها أدوات متعددة؛ لكن في النهاية تظل الأدوات النقدية أكثر حضورًا في معالجة التضخم من زاوية البنك المركزي، بشرط أن يجمع صانع القرار بين فهم الجهاز المصرفي وفهم الجانب الاقتصادي الأوسع.
كما أكد أن هذه الاختلافات لم تكن محصورة داخل دائرة العمل الفني فقط، بل كانت تصل إلى الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي—بحسب رواية غالي—كان يتدخل للحصول على رأي واحد أو ترجيح وجهة على أخرى.
وتناول غالي كذلك أسلوب تعامل العقدة مع الرئيس حين كان يرى ضرورة إقناعه بوجهة نظره، قائلاً إن فاروق كان “يذهب ويتسرب” بهدف التأثير في الموقف، ثم كانت تأتي مكالمة أو توجيه عكسي مثل: “ما تعملش كده.. أقوم أنا أزن وأوصل تاني”، وهو ما اعتبره غالي أمرًا طبيعيًا ضمن ديناميكيات العلاقة بين المؤسسات في صنع القرار.
وعن طبيعة العلاقة بين وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، لفت إلى أن الشراكة ليست دائمًا متوترة، إذ رد على سؤال الإعلامية حول مدى “شائكية” العلاقة بقوله: “مش شرط”.
وبالانتقال إلى تقييمه للمحافظ الحالي للبنك المركزي، الدكتور حسن عبد الله، قال غالي إنه عاصر عددًا من محافظي البنك المركزي منذ فترة علي نجم عام 1986 وحتى عصر حسن عبد الله، مضيفًا أن حسن من “أفضل” محافظي البنك المركزي، إن لم يكن الأفضل.
كما أشاد بالدكتور أحمد كجوك، وزير المالية، معبرًا عن تقديره لخبراته وقدرته على إدارة منظومة الاقتصاد والمالية العامة، وأنه—وفقًا لتعبيره—يُعد اختيارًا قويًا لأي دور مرتبط بإدارة المنظومة في الوقت الراهن.
وبإضافة قراءة أوسع لما ورد في الرواية، يمكن فهم “اختلاف الرؤية” على أنه اختلاف في طبيعة الولاية والمسؤوليات: فوزارة المالية بحكم اختصاصها تميل لتركيز أوسع على المالية العامة والإنفاق والإيرادات وتمويل العجز، بينما يميل البنك المركزي إلى مواجهة التضخم وضبط السيولة وتحريك أدوات مثل الفائدة وإدارة سعر الصرف وفقًا لتقديراته للمتغيرات النقدية. وفي حالات كثيرة، لا تكون المشكلة في أي طرف بقدر ما تكون في طريقة “ترتيب الأولويات” وتداخل أثر القرارات بين القطاع المالي والقطاع النقدي.
وفي النهاية، تقدم هذه الحكاية نموذجًا لعلاقة مؤسسية تتأرجح بين اختلافات فنية وتنسيق ضمن إطار أعلى، حيث تؤدي المتابعة عبر القيادة السياسية دورًا في حسم اتجاهات السياسة العامة حين تتقاطع حسابات وزارة المالية مع حسابات البنك المركزي، بما يضمن—قدر الإمكان—اتساقًا أكبر في مسار الإصلاح الاقتصادي والسياسات الكلية.

التعليقات