أكد الدكتور علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية السابق، أن نجاح تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية بمحطة الضبعة يُعد من أكثر المراحل الفنية حساسية وأهمية في مسار تنفيذ المشروع، باعتباره خطوة محورية ترتبط مباشرة بقدرة المفاعل على أداء وظيفته في إنتاج الحرارة اللازمة لتوليد الكهرباء. وأشار إلى أن هذا الإنجاز يعكس انتظام العمل وفق الجدول الزمني المحدد، ويؤكد حرص مصر على بناء مشروعها النووي وفق أعلى معايير الجودة والسلامة، بما يساهم في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، إضافة إلى توفير موارد مالية كبيرة على المدى المتوسط.
تركيب وعاء الضغط: قلب المفاعل ومعيار الدقة
وأوضح عبد النبي خلال ظهوره ببرنامج “صباح الخير يا مصر” أن وعاء ضغط المفاعل يُنظر إليه على أنه “قلب المفاعل النووي”، لأنه يحتوي على الوقود النووي الذي تتم داخله عملية الانشطار لإنتاج الحرارة. وتابع أن تصنيع وعاء الضغط عادة ما يستغرق قرابة ثلاث سنوات، بينما يبلغ وزنه نحو 330 طنًا تقريبًا، ما يجعله أحد أثقل المكونات الهندسية داخل منظومة المفاعل. وأكد أن تركيبه يتطلب دقة استثنائية على مستوى المحاذاة والتحقق من سلامة الوصلات، لضمان تحمل الضغوط والحرارة ضمن الحدود التصميمية على مدار عمر محطة طويل.
وأكد أن اكتمال هذه الخطوة في ظل الظروف الدولية الراهنة يمثل شهادة على كفاءة فرق العمل المصرية والروسية، وعلى جاهزية منظومة التنفيذ من حيث إدارة الجودة، وانضباط سلاسل التوريد، وتكامل مراحل التصنيع والنقل والتركيب بما لا يخل بمتطلبات الجدول الزمني.
محطة الضبعة من الجيل الثالث المطور.. أمان متعدد الطبقات
وأشار المتحدث إلى أن محطة الضبعة تستند إلى مفاعلات من الجيل الثالث المطور، والتي تتميز بتصميمات تركز على أمان أعلى ومعالجات متقدمة لتقليل مخاطر الحوادث غير المتوقعة. ولفت إلى أن التصميم يعتمد الاستفادة من الدروس الفنية المستخلصة من تجارب دولية سابقة، مع دمج أنظمة أمان “سلبية” تعمل تلقائيًا في حالات محددة حتى في حال حدوث اضطرابات قد تؤثر على الإمداد بالكهرباء.
كما ذكر أن الصناعة النووية الروسية تعد من بين الأكثر خبرة عالميًا في تصنيع وتشغيل المفاعلات، وأنها تتصدر في الوقت الحالي تصدير المفاعلات النووية إلى عدد من دول العالم وفق برامج تعاونية تشمل عادة الدعم الفني ونقل المعرفة.
الوقود النووي وتأمين النقل وفق أعلى المعايير
وبخصوص الوقود النووي، أكد عبد النبي أن عملية نقله تتم وفق إجراءات تأمينية مشددة تشمل ترتيبات أمنية واحترازية على المستويات المطلوبة، مع مراعاة متطلبات السلامة النووية أثناء النقل. وأوضح أن الإعلان عن مواعيد شحن الوقود قد لا يتم بشكل تفصيلي لأسباب تتعلق بالأمن، بينما يخضع النقل لمسارات وإجراءات تأمين بري وبحري تتوافق مع الاشتراطات الدولية.
مسار التشغيل المستهدف: أول وحدة سبتمبر 2028
وحول المراحل المقبلة، أكد نائب رئيس هيئة المحطات النووية السابق أن أول وحدة نووية بمحطة الضبعة تستهدف بدء التشغيل خلال سبتمبر 2028. وأشار إلى أن الوحدات الأربع ستدخل الخدمة تدريجيًا حتى اكتمال المشروع قبل عام 2030، بما يضمن الانتقال المنظم للقدرات الجديدة إلى الشبكة الكهربائية.
وأضاف أن كل وحدة ستوفر قدرة كهربائية في حدود 1200 ميجاوات، ليصل إجمالي قدرة المحطة إلى نحو 4800 ميجاوات عند اكتمال تشغيل الوحدات الأربع، وهو ما يدعم استقرار الشبكة ويسهم في سد جزء مهم من احتياجات الكهرباء المتزايدة، خاصة خلال فترات الذروة.
فوائد اقتصادية وأثر على منظومة الوقود والطاقة
واعتبر عبد النبي أن المشروع لا يقتصر على إنتاج الكهرباء فقط، بل يمتد أثره الاقتصادي إلى تقليل الكميات المستخدمة من الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء. وأوضح أن كل وحدة يمكن أن توفر ما لا يقل عن 500 مليون دولار من قيمة الوقود كل 18 شهرًا، وقد يرتفع هذا الرقم إلى قرابة 700 مليون دولار بحسب أسعار الطاقة والتغيرات في سوق الوقود.
كما أوضح أن توفير الغاز الناتج عن تشغيل المحطة يمكن توجيهه لأغراض أكثر عائدًا مثل التصدير أو دعم الصناعات المحلية ذات القيمة المضافة، بما يساعد على تعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية.
نقل التكنولوجيا وبناء قدرات محلية
وشدد على أن مشروع الضبعة يمثل نموذجًا للتكامل بين إنتاج الطاقة ونقل التكنولوجيا. فإلى جانب تشغيل المفاعلات، يتم التركيز على تأهيل كوادر مصرية ورفع جاهزيتها في مجالات التشغيل والصيانة وإدارة السلامة النووية، بما يمكّن الصناعة المحلية من الاستمرار في مواكبة التطور التكنولوجي على المدى الطويل.
وعلى مستوى الأثر الاستراتيجي، أكد أن عمر محطة الضبعة التشغيلي يُقدّر عادة بما بين 60 إلى 100 عام، وهو ما يجعلها استثمارًا طويل الأجل يخدم الأجيال القادمة عبر دعم أمن الطاقة، وتحقيق أهداف بيئية من خلال تقليل الانبعاثات المرتبطة بقطاع الكهرباء، وتعزيز التنمية الصناعية والاقتصادية المرتبطة بسلاسل القيمة المختلفة.
وبذلك، فإن تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية لا يمثل مجرد خطوة هندسية ضمن المشروع، بل يمثل مؤشرًا مهمًا على تقدم الأعمال الفنية وتعزيز احتمالات الالتزام بالخطة الزمنية، تمهيدًا لدخول محطة الضبعة مرحلة التشغيل في 2028.

التعليقات