تتجه الأنظار إلى القمة الحالية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، باعتبارها محطة مفصلية في مسار الحلف خلال السنوات الأخيرة، في ظل بيئة أمنية أكثر تعقيدًا وتبدلات سريعة في قواعد اللعبة الدولية. وتتصدر الملفات المرتبطة بالإنفاق الدفاعي وتطوير القدرات العسكرية وآليات رفع الجاهزية لقواعد الناتو النقاشات، خصوصًا مع استمرار الأزمات الإقليمية وتعدد بؤر التوتر خارج حدود أوروبا الشرقية والاتجاهات التقليدية.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية كرم سعيد أن توقيت القمة لا يقل حساسية عن محتواها، إذ تنعقد في لحظة تتزايد فيها الضغوط على الدول الأعضاء لتقديم التزامات ملموسة بدل الاكتفاء بالتعهدات السياسية. ويؤكد أن الأهمية الاستثنائية للقمة مقارنة بدورات سابقة تنبع من الحاجة إلى صياغة رؤية أكثر شمولًا لإدارة التهديدات، وربط القرارات الاستراتيجية بخطط تنفيذية محددة زمنًا، بما يرفع كفاءة الاستجابة ويقلل فجوات الجاهزية.
ومن أبرز المحاور المطروحة أمام الدول الأعضاء بحث آليات جديدة لرفع جاهزية الحلف لمواجهة التهديدات المتنوعة، بما في ذلك التهديدات التقليدية واحتمالات الصدمات الأمنية المفاجئة، إلى جانب تهديدات غير تقليدية مثل الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب داخل البنى التحتية الحيوية. كما يُتوقع أن تتوسع المناقشات حول كيفية مواءمة خطط الاستعداد مع سيناريوهات متغيرة، وبناء إجراءات مشتركة تشمل التدريب والتنسيق اللوجستي وتبادل المعلومات الاستخبارية.
وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تواصل ممارسة ضغوط على شركائها داخل الحلف لزيادة الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتُبرر واشنطن ذلك بأن التحديات الأمنية الراهنة تقتضي مساهمة أكبر من الدول الأوروبية في تحمل أعباء الدفاع الجماعي. وترتبط هذه النقطة بجدل واسع داخل العواصم الأوروبية حول كيفية تنفيذ الأهداف دون إحداث آثار سلبية على الاقتصادات، وفي مقدمتها تكاليف المعيشة، وأولويات الإنفاق العام، والقدرة على تمويل التحول الصناعي الدفاعي.
كما تركز القمة على تطوير الصناعات العسكرية المشتركة وتعزيز سلسلة الإمداد الدفاعية داخل أوروبا، بما يقلل الاعتماد على موردين خارجيين ويضمن الاستمرارية في أوقات الأزمات. ويتضمن ذلك نقاشات حول توحيد معايير شراء السلاح، ورفع كفاءة الصفقات المشتركة، وتحديث برامج التسليح ليتوافق حجم الإنفاق مع احتياجات التدريب والجاهزية والتحديث المستمر، بدل الاقتصار على شراء منصات وتجهيزات دون ضمان تشغيلها بكفاءة.
ومن التفاصيل التي تتكرر في أجندة القمة أيضًا رفع كفاءة القوات المسلحة للدول الأعضاء، وتحسين التكامل بين الوحدات المختلفة وتوحيد قواعد الاشتباك عند الحاجة، إضافة إلى تقليص الفجوات في القدرات بين الدول التي تمتلك إمكانات كبيرة وتلك التي تواجه تحديات في التحديث. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ضوء استمرار التوترات على أكثر من جبهة، ما يجعل زمن الاستجابة عاملاً حاسمًا.
وعلى صعيد العلاقات عبر الأطلسي، يلفت كرم سعيد إلى أن العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية لا تزال تتسم بدرجات من التباين في ملفات استراتيجية متعددة. فالتصعيد العسكري المرتبط بإيران أعاد طرح تساؤلات حول حدود التنسيق وآليات إدارة الأزمات، وهل تظل واشنطن في موقع القيادة المطلقة أم أن على الأوروبيين توسيع دورهم في اتخاذ القرار وفق مصالحهم المباشرة. كما أن طبيعة التنسيق في ملفات حساسة—سياسية وعسكرية ومالية—تؤثر مباشرة في مستوى الثقة داخل الحلف.
وتشير القراءة السياسية إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل مشاركته في القمة عكست استمرار وجود خلافات مع بعض الدول الأوروبية، وهو ما دفع العديد من الحكومات الأوروبية إلى تسريع خطواتها نحو بناء منظومة أمنية أوروبية أكثر استقلالية. ويُفهم هذا التوجه بوصفه سعيًا لتعزيز القدرة على دعم الأمن الأوروبي دون أن يكون بديلاً كاملًا عن الناتو، بل شراكة إضافية قادرة على رفد قدراته، وتحسين سرعة اتخاذ القرار عندما تتداخل المصالح أو تتباين الأولويات.
ويؤكد الباحث أن اتجاه أوروبا نحو مزيد من الاستقلال لا يعني التخلي عن الحلف، وإنما يعكس رغبة متزايدة في امتلاك قدر أكبر من أدوات القرار والأدوات التنفيذية. وتزداد هذه الرغبة في ظل تحولات النظام الدولي وتغير أولويات السياسة الأمريكية، وما ينعكس على توازن الأدوار بين الحليف الأمريكي والحلفاء الأوروبيين.
وفي المحصلة، من المتوقع أن تسهم القمة—إن نجحت—في تخفيف حدّة التوترات وإيجاد أرضية مشتركة بين الدول الأعضاء عبر تفاهمات أكثر واقعية حول التمويل والقدرات والتنسيق. غير أن إنهاء الخلافات الاستراتيجية بشكل كامل قد يظل صعبًا، لأن جوهر التحدي يتمثل في اختلاف وجهات النظر حول آليات التنفيذ وحدود الدور الأمريكي وتوزيع الأعباء. لذلك سيظل مستقبل الناتو مرتبطًا بقدرته على التكيف مع المتغيرات الدولية، وبمدى نجاحه في ترسيخ وحدة المواقف داخليًا، وإدارة الخلافات دون تفكك أو تراجع في مستوى الجاهزية.
وتأتي هذه القمة أيضًا في سياق أوسع يشمل الحاجة إلى حماية البنى التحتية، وتعزيز المرونة أمام التضليل والمعلومات المضللة، ورفع القدرة على مواجهة تهديدات هجينة تجمع بين الضغط الاقتصادي والتقنيات الرقمية والهجمات غير المباشرة، بما يجعل النقاشات الحالية أكثر ارتباطًا بواقع الأمن المعاصر لا الأمن التقليدي فقط.

التعليقات