التخطي إلى المحتوى

تتصدر الملفات الاقتصادية أجندة قمة مجموعة «بريكس» المرتقبة في الهند، مع تركيز متزايد على تعزيز التعاون التجاري والمالي وتوسيع نطاق استخدام العملات المحلية، بالتوازي مع بحث محاور حيوية مثل التكنولوجيا وأمن الطاقة والاستدامة. وتأتي زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى نيودلهي في سياق دلالات سياسية واقتصادية مهمة، حيث تستهدف مصر من خلال رئاستها لوفدها في القمة إبراز أولوية المشاركة الفاعلة في مسارات التعاون الدولي متعددة الأطراف.

وفي هذا الإطار، يؤكد خبراء الاقتصاد أن «بريكس» تسعى إلى بناء قدر من التوازن في موازين القوى العالمية عبر أدوات اقتصادية أكثر تأثيرًا، باعتبار أن الاقتصاد يظل بوابة رئيسية لربط مصالح الدول الأعضاء وتعميق العلاقات بينها. كما تشير التحليلات إلى أن التحرك نحو مزيد من الاستقلالية المالية والتجارية يمثل جزءًا من رؤية التكتل لتقليل انعكاسات التقلبات الناتجة عن تركز السيولة والتسعير في الدولار.

الاقتصاد كمدخل استراتيجي لتعزيز العلاقات داخل بريكس

يرى خبراء أن الصين وغيرها من دول التكتل حاولت خلال السنوات الماضية ربط الدول الأعضاء بمصالح اقتصادية ملموسة، وهو ما ينعكس على تقوية العلاقات السياسية ويزيد فرص التعاون في ملفات متعددة. ويظهر ذلك من خلال اتساع مساحة التبادل التجاري، وتطوير آليات التمويل، ومحاولة صياغة مسارات أكثر مرونة للتعامل بعيدًا عن مركزية أدوات محددة.

كما يلفت الخبراء إلى أن زيادة حجم التجارة ليست الهدف الوحيد، بل تأتي أيضًا كوسيلة لرفع كفاءة سلاسل الإمداد، وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على أسواق أو عملات بعينها. وتُعد هذه المقاربة ذات أهمية خاصة للدول التي تسعى إلى تحسين القدرة التنافسية في ظل تغيّر قواعد التجارة العالمية.

خارطة طريق نحو تخفيف الاعتماد على الدولار

تشير التقديرات إلى أن دول «بريكس» تحتاج إلى سنوات على الأقل لتوسيع نطاق التعامل بالعملات المحلية وتحقيق قدر ملموس من الاستقلالية المالية عن الدولار. ويرجع ذلك إلى أن الدولار ما زال يحتل موقعًا مهيمنًا في التسويات الدولية بسبب عمق الأسواق المالية، ووفرة السيولة، وارتباطه بمعايير تسعير التجارة في سلع عديدة.

ومع ذلك، فإن التوجه نحو ترتيبات المقايضة أو التسوية بالعملات المحلية يمكن أن يوفر مزايا مثل خفض تكاليف التحويل، وتحسين تخطيط الشركات للمدفوعات، وتعزيز ثقة الأطراف حين تكون هناك قواعد واضحة لآليات التسعير والضمانات. لكن نجاح هذا التوجه يرتبط بوجود توازن نسبي بين طرفي التجارة، وتوفر أدوات مالية داعمة، واستقرار معقول في أسعار الصرف.

توازن التجارة واستقرار العملات شرطان لنجاح التسوية المحلية

تزداد فاعلية التعامل بالعملات المحلية عندما تتقارب بنية الصادرات والواردات بين الدول المتعاملة، لأن العجز التجاري قد يخلق احتياجات تمويلية خارج نطاق العملة المحلية أو يدفع نحو تسويات إضافية تقلل من المكاسب المتوقعة. لذلك، يصبح من الضروري العمل على توسيع نطاق التجارة بصورة توازن بين التدفقات السلعية والمالية.

إلى جانب ذلك، يعد استقرار العملة عاملًا محوريًا. فإذا ارتفعت التقلبات بشكل كبير قد تتراجع جاذبية العقود المحلية بسبب ارتفاع تكلفة المخاطر. كما تلعب تدفقات مالية أخرى دورًا في تحقيق التوازن، مثل الاستثمارات المباشرة، وتحويلات العاملين، والسياحة، وخطط التمويل المشتركة التي توفر “مخزونًا” نسبيًا من السيولة.

بريكس تتجاوز التجارة لتشمل الاستثمار ونقل التكنولوجيا والخدمات

لا تقتصر «بريكس» على بعد التجارة فقط، بل تتجه نحو توسيع مساحات التعاون في الاستثمار والمشروعات المشتركة ونقل التكنولوجيا، إضافة إلى تطوير قطاع الخدمات. ويُنظر إلى هذه الملفات باعتبارها أدوات لرفع القيمة المضافة لدى الدول الأعضاء، وتحويل التعاون من مجرد مبادلات سلعية إلى شراكات إنتاجية.

ويؤكد الخبراء أن نجاح التعاون في هذه المجالات يتطلب إطارًا عمليًا: تمويلًا مناسبًا، وآليات مشتركة لتنفيذ المشروعات، وتسهيلات لوجستية وتنظيمية، بما يتيح للشركات العمل في بيئات أكثر قابلية للتنبؤ.

أمن الطاقة والتكنولوجيا والتحول الرقمي ضمن أولويات القمة

تحتل قضايا أمن الطاقة موقعًا متقدمًا على أجندة القمة، في ظل تأثير الأزمات الجيوسياسية على تجارة الطاقة والغاز على مستوى العالم. وتناقش دول التكتل سبل تعزيز التعاون في مجالات إنتاج الطاقة، وتطوير شبكات الإمداد، وتوسيع مجالات الاستثمار في البنية التحتية.

كما تتزايد أهمية ملف التكنولوجيا والمعرفة، بما يشمل الابتكار والتحول الرقمي والاستدامة. ويُنظر إلى التعاون في الاقتصاد المعرفي على أنه ركيزة لرفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة التي تحتاج إلى نقل مهارات وتقنيات تساعدها على اللحاق بالتحولات العالمية.

توطين التكنولوجيا يعزز قوة التكتل ويخلق مكاسب مشتركة

يشير الخبراء إلى أن وجود دول تمتلك خبرات وتكنولوجيا متقدمة داخل «بريكس» يمكن أن يدعم توطين التكنولوجيا عبر برامج تدريب، وشراكات صناعية، ومراكز بحث وتطوير. ومن شأن ذلك تقليل فجوة القدرات بين الدول الأعضاء، وتحويل التعاون إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

كما يمكن أن يؤدي تحقيق مكاسب مشتركة في مجالات التكنولوجيا والخدمات إلى رفع جاذبية التكتل لدول أخرى، خصوصًا عندما تكون الشراكات واضحة في أهدافها وجدولها الزمني، وتتوفر آليات لقياس أثر المشروعات.

ماذا تعني مشاركة مصر في قمة بريكس على المستوى الاقتصادي؟

تعكس رئاسة مصر لوفدها في قمة «بريكس» في نيودلهي اهتمامًا بتوسيع قنوات التعاون مع دول التكتل، بما يخدم مصالح اقتصادية متعددة، من بينها فرص الاستثمار، وتعزيز التجارة، والانخراط في مشاريع ترتبط بالطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والاستدامة. وتكتسب المشاركة المصرية أهمية إضافية في ظل سعي دول التكتل إلى بناء شبكات تعاون أوسع تسمح بتبادل الخبرات وزيادة الترابط المالي واللوجستي.

وفي المحصلة، تمثل قمة «بريكس» فرصة لتقاطع مصالح اقتصادية كبرى: تقوية التجارة بشكل متوازن، توسيع استخدام أدوات تسوية أكثر مرونة، تسريع مسارات نقل التكنولوجيا، وتعزيز التعاون في أمن الطاقة، مع وضع الاستدامة كعامل مؤثر في تصميم المشروعات القادمة. ومع بدء النقاشات في الهند، تتجه الأنظار إلى مخرجات عملية تحدد المسارات الزمنية وآليات التنفيذ ومدى قدرة الدول الأعضاء على تحويل التوجهات إلى مشاريع ملموسة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *