تكشف تصريحات اللواء الدكتور سمير فرج، خلال لقائه في برنامج «الحياة اليوم»، أن الحديث المتجدد عن تمسك الرئيس الأمريكي السابق/دونالد ترامب بملف السيطرة على جزيرة غرينلاند لا يتعلق ببُعد جغرافي معزول، بل يرتبط بمنظومة أمنية وعسكرية دقيقة تمس طرق النفاذ إلى القطب الشمالي، ومراقبة الحركة الروسية، وتنافس القوى الكبرى على الممرات البحرية والقدرات الاستراتيجية.
وتتمتع غرينلاند بأهمية تفوق حجمها وحدودها؛ إذ تقع في موقع يمنح الولايات المتحدة ميزات عملية في مراقبة محيط القطب الشمالي، خصوصًا مع زيادة النشاط البحري والعسكري في المنطقة، وما يرتبط بذلك من تغيّر في طرق التحرك والإمداد والدوريات. ويؤكد فرج أن اهتمام ترامب بغرينلاند يتمحور حول الموقع أكثر من كونه مجرد مساحة، لأن الموقع يمكن أن يرفع من قدرة واشنطن على رصد تحركات الخصوم، وتوقيت التدخلات المحتملة، ورفع كفاءة الاستجابة في حال التصاعد.
لماذا يريد ترامب غرينلاند؟
يشير فرج إلى أن غرينلاند تُعد بالنسبة للولايات المتحدة «نقطة دفاع متقدمة» في مواجهة أي تحركات روسية محتملة. ووفق هذا الطرح، فإن الجزيرة يمكن أن تعمل كحلقة ضمن منظومة مراقبة واعتراض، لا سيما أمام التهديدات التي قد تتجه من الاتجاه الروسي باتجاه مناطق أكثر قربًا من المصالح الأمريكية.
كما يلفت إلى أن وجود قواعد ومرافق أمريكية في محيط غرينلاند يمنح واشنطن قدرات نوعية، لكن السيطرة الفعلية على الجزيرة—بوضعها الاستراتيجي وبيئتها الجغرافية—قد يوفر وضعًا أكثر تفوقًا في التخطيط الدفاعي، بما في ذلك:
– تحسين مراقبة المجال البحري في القطب الشمالي والممرات التي قد تعتمدها السفن العسكرية واللوجستية.
– تعزيز إمكانات تتبع مسارات الغواصات أو رصد الأنشطة قبالة السواحل والمناطق النائية.
– دعم أنظمة الإنذار المبكر والاستطلاع ضمن بيئة تتسم بحدة الظروف واتساع مساحة التتبع.
إضافة إلى ذلك، فإن حسابات القطب الشمالي لم تعد مرتبطة بالمسافات فقط، بل باتت تتصل بجدوى الانتشار العسكري، وسرعة الوصول، والقدرة على العمل في ظروف شديدة البرودة، ما يجعل كل نقطة جغرافية قريبة من «مفاصل الحركة» ذات وزن أكبر.
غرينلاند بوابة القطب الشمالي
يوضح فرج أن أهمية الجزيرة لا تنبع من كونها ضمن نطاق القطب الشمالي فحسب، بل من أنها عند مدخل المنطقة، وهو ما يرفع قيمتها الاستراتيجية. ويمثل هذا المدخل عنصرًا حاسمًا في مراقبة تحركات الغواصات والسفن العسكرية، لأن السيطرة أو النفوذ في هذه النقطة قد يتيح رصدًا أبكر لخطوط الحركة، والتنبؤ باتجاهات الدوريات والتمركزات.
ويضيف أن التنافس في القطب الشمالي لم يعد شأنًا جغرافيًا بحتًا، بل تطور ليصبح مرتبطًا بالأمن العسكري، وبشكل أو بآخر بالتحركات الروسية والصينية، وبالتحولات التي يشهدها استخدام الممرات البحرية الجديدة أو المحتملة بسبب تغيّر المناخ والظروف الطبيعية.
ومن زاوية دولية، تشير التقديرات والتقارير إلى أن غرينلاند تحتل موقعًا ذا مركزية نسبيًا في حسابات القطب الشمالي، ما يعزز أهميتها بالنسبة لحسابات الأمن لدى الناتو والولايات المتحدة، خصوصًا مع اتساع نطاق المصالح التي تشمل المراقبة والردع والتأمين البحري.
ترامب يفتح ملفًا يثير توترًا مع أوروبا
يرى فرج أن تمسك ترامب بالجزيرة لا يظل ملفًا أمريكيًا داخليًا أو مجرد توجه دفاعي، بل يضع الولايات المتحدة أمام توتر سياسي مع الدنمارك وحلفائها في أوروبا. فغرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويرتبط بمملكة الدنمارك، ما يعني أن أي محاولة لتغيير وضعها أو التأثير عليه تثير حساسية قانونية وسيادية.
ويذكر أن رئيسة الوزراء الدنماركية جددت رفضها لأي سيطرة أمريكية على غرينلاند، مؤكدة أن الجزيرة ليست للبيع. وفي المقابل، يُطرح خطاب أمريكي يربط الجزيرة بالأمن القومي الأمريكي ويصوغها باعتبارها ضرورة مرتبطة بالدفاع والمراقبة.
هل يستخدم ترامب الملف لصرف الانتباه؟
تتضمن قراءة فرج بعدًا سياسيًا يتجاوز الجانب الأمني الصِرف؛ إذ يرى أن طرح قضية غرينلاند في توقيتات معينة قد يكون جزءًا من استراتيجية جذب الاهتمام العام وتوجيهه بعيدًا عن ملفات أخرى أكثر تعقيدًا أو حضورًا في الساحة السياسية. وبحسب هذا التفسير، فإن «الملف المثير للجدل» عندما يُطرح في لحظة سياسية محددة قد يغيّر اتجاه النقاش العام ويعيد تشكيل أولويات المتابعة الإعلامية والشعبية.
كما يربط فرج ذلك بفكرة أن إدارة الملفات السياسية—خاصة تلك التي تحمل رمزية قوية وتستدعي تفاعلًا دوليًا—قد تُستخدم كأداة لحركة الرأي العام وتثبيت صورة الفاعلية لدى صانع القرار.
ترامب في ولايته الثانية: مساحة أوسع للقرارات
وفي سياق السياسة الأمريكية، يشير فرج إلى أن الرئيس في ولايته الثانية تكون لديه مساحة أكبر لاتخاذ قرارات قد تكون أكثر جرأة مقارنة بالولاية الأولى، التي يسعى فيها عادة إلى الحفاظ على فرص إعادة انتخابه. ووفق ربط فرج بين ذلك وبين أداء ترامب في ولايته الثانية، فإن الملف يتقاطع مع نمط طرح قضايا خارجية مثيرة للجدل.
تستند هذه القراءة إلى أن الولايات المتحدة حين تضع قضية ما في مقدمة أجندتها في ولايتها الثانية قد تعكس رغبة في توسيع الخيارات وتحقيق مكاسب استراتيجية أو تفاوضية قبل نهاية الولاية، وهو ما يتسق—بحسب طرح فرج—مع تقديم ملف غرينلاند ضمن ملفات خارجية عالية التأثير.
خلاصة: أمن القطب الشمالي وصراع السيادة
في النهاية، تؤكد تصريحات سمير فرج أن غرينلاند تقع في منطقة القطب الشمالي وتتبع مملكة الدنمارك مع تمتعها بحكم ذاتي، بينما تتزايد قيمتها الجيوسياسية مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى. ويخلص الطرح إلى أن تمسك ترامب بالسيطرة على الجزيرة—مهما كانت المبررات الدفاعية—يظل عاملًا يُولد توترًا مع الدنمارك وأوروبا، في وقت يشدد فيه حلف الناتو أن أمن القطب الشمالي يمثل أولوية، بينما تتمسك كوبنهاغن وغرينلاند بحقوقهما وسيادتهما.
وبين الحاجة العسكرية للمراقبة والردع من جهة، واعتبارات السيادة والقانون والتوازنات السياسية من جهة أخرى، يبدو ملف غرينلاند من الملفات التي قد تستمر في إدارة الصراع على النفوذ في القطب الشمالي، وتحديد قواعد اللعبة بين واشنطن وشركائها وحلفائها، إضافة إلى خصومها في مسرح الشمال البارد.

التعليقات