التخطي إلى المحتوى

حذر الدكتور هشام رامي، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، من تأثير الاستخدام المتكرر لتطبيقات الذكاء الاصطناعي على طريقة تفكير الإنسان وتواصله مع الآخرين. وأوضح أن الجهاز العصبي البشري يميل إلى محاكاة الأنماط التي يتعرض لها بصورة مستمرة، بما يجعل تأثير التكنولوجيا يمتد من المحتوى الذي نستهلكه إلى السلوك اللغوي والاجتماعي الذي نمارسه.

وأوضح رامي خلال برنامج «صباح الخير يا مصر» أن ظاهرة المحاكاة العصبية تظهر بوضوح لدى الأطفال والمراهقين، عندما يقلدون آباءهم أو معلميهم أو الشخصيات المشهورة. ومع مرور الوقت، قد يكتسب هؤلاء أسلوبًا في الكلام وطريقة في التعبير تعكس السمات اللغوية للشخصيات التي يتابعونها. ووفقًا لذلك، فإن التعامل المتكرر مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى نتائج مشابهة، حيث يبدأ بعض المستخدمين—خصوصًا عند الاستخدام المكثف—في تقليد أسلوب التطبيق في الصياغة والردود، وقد ينعكس ذلك على نبرة الكلام ومحتواه وربما على طريقة التفكير نفسها.

وأشار أستاذ الطب النفسي إلى أن لهذه التأثيرات جانبًا قد يكون إيجابيًا عند توظيفها بشكل مدروس. فمن الممكن أن تساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي بعض المستخدمين على تنظيم الأفكار وتبويب المعلومات وتطوير طريقة أكثر منهجية في البحث عن المعرفة. كما قد تدعم القدرة على توليد حلول أو صياغات لغوية أكثر اتساقًا، خصوصًا لدى من يعانون من تشتت الأفكار أو صعوبة تنظيم المعلومة.

لكن في المقابل، توجد آثار سلبية محتملة تتعلق بجوانب التواصل الإنساني. فهذه التطبيقات—رغم تقدمها—تفتقد عناصر التواصل غير اللفظي التي تلعب دورًا محوريًا في العلاقات الاجتماعية، مثل نظرات العين، وتعبيرات الوجه، والإحساس الفعلي بالمشاعر، والإشارات الجسدية الدقيقة، إضافة إلى التلقائية التي تصاحب الحوار المباشر. واعتبر رامي أن الاعتماد المفرط عليها قد يقود تدريجيًا إلى ما وصفه بـ«العزلة الإلكترونية»، حيث تقل فرص التفاعل الواقعي وتضعف تدريبات الدماغ على قراءة الإشارات الاجتماعية والتعامل مع اختلافات البشر.

ولتعزيز الاستفادة وتقليل الضرر، شدد هشام رامي على ضرورة تحقيق التوازن بين استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتواصل المباشر. فالتفاعل اليومي مع الأسرة والأصدقاء والمدرسين والمجتمع يبقى عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الروابط الإنسانية وتطوير مهارات الحوار الواقعي. كما ينبغي أن تُستخدم هذه التطبيقات كأداة مساعدة لا كبديل عن العلاقات، من خلال تخصيص وقت محدد للاستخدام، وربط المحتوى المستخرج منها بنقاشات فعلية داخل الأسرة أو الصف أو العمل.

ومن المهم أيضًا الانتباه لعلامات قد تشير إلى الإفراط في الاستخدام، مثل تراجع المبادرة في الحديث مع الآخرين، أو الاعتماد شبه الكامل على الصياغات الجاهزة بدل التفكير الشخصي، أو الشعور بالضيق عند تعذر استخدام التطبيق. كل ذلك يستدعي مراجعة نمط الاستخدام وإعادة ضبطه بما يخدم التعلم والتطوير دون إضعاف التواصل البشري.

في النهاية، يؤكد التحذير أن التكنولوجيا يمكن أن تعزز التفكير المنظم وجمع المعلومات، لكن الحفاظ على الروح والتلقائية والعفوية يتطلب أن يبقى الإنسان حاضرًا في علاقاته المباشرة، وأن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مساعد ذكي لا يقترب من جوهر التفاعل الإنساني.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *