يرى حسام البقيعي، خبير العلاقات الدولية، أن الجانب الأوروبي لا يبدو راغبًا في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في المرحلة الحالية، خصوصًا في ظل استمرار تحقيق مكاسب للقوات الروسية خلال الفترات الماضية. ووفقًا لهذه القراءة، فإن استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا يمثل أداة أوروبية لبلوغ هدف استراتيجي يتمثل في استنزاف قدرات روسيا إلى أقصى حد قبل الانتقال إلى أي ترتيبات تهدئة أو تسوية.
ويشير البقيعي إلى أن المخاوف الأوروبية لا تقتصر على المعارك الدائرة داخل أوكرانيا فقط، بل تمتد إلى تصور أوروبي لاحتمالات توسع النفوذ الروسي بعد انتهاء الصراع. فبينما يركّز بعض التحليل الأوروبي على “نتائج المعركة” الحالية، يذهب آخرون إلى أن توقف العمليات المسلحة في أوكرانيا دون كبح قدرات روسيا قد يخلق بيئة تسمح لمرحلة جديدة من الضغوط على دول أخرى لاحقًا. ومن هنا، ترى عواصم أوروبية أن الاستمرار في دعم كييف—حتى عند تراجع أو غياب بعض صور الدعم الأمريكي—قد يكون ضروريًا لحماية الأمن الأوروبي ومنع تكرار السيناريو نفسه على نطاق أوسع.
وبحسب الخبير، فإن أوروبا سبق أن تعاملت مع سيناريو تقليص الإمدادات الأمريكية عبر وسائل بديلة، إذ أظهرت استعدادًا لتعويض أي نقص في المساعدات العسكرية. وفي فترات سابقة، اتجهت دول أوروبية إلى شراء أنظمة تسليح وإعادة توجيهها إلى أوكرانيا بعد تلويح الولايات المتحدة بوقف أو تقليص إمدادات السلاح. ويُفهم من ذلك أن أوروبا تميل إلى تبني مسار أكثر استقلالًا في الإسناد العسكري، بما يقلل من أثر تقلبات القرار الأمريكي.
كما يلفت البقيعي إلى وجود اتجاه أوروبي يرمي—وفقًا لبعض التقديرات—إلى إطالة أمد الحرب حتى عام 2030، ضمن استراتيجية تهدف إلى إضعاف روسيا تدريجيًا، لا عبر “حسم” سريع، بل من خلال تقليص القدرات والموارد وإرهاق الجبهة على المدى المتوسط والطويل. ويأتي هذا التوجه متزامنًا مع متابعة أوروبا لأي مؤشرات على تحركات روسية تستهدف اختبار قدرات الدفاع لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، سواء عبر محاولات اختراق أجواء أوروبية أو عبر توسيع نمط عمليات الطائرات المسيرة.
وفي السياق ذاته، توضح القراءة الأوروبية أن اختراقات الطائرات المسيرة للأجواء الأوروبية لا تُفهم فقط كوقائع عابرة، بل كرسائل تستهدف قياس حجم الاستجابة الغربية وتحديد مدى جاهزية منظومات الدفاع والإنذار المبكر. لذلك، فإن تواصل الدعم العسكري لأوكرانيا يُنظر إليه في أوروبا بوصفه جزءًا من “اختبار” أكبر لحسابات الردع والأمن، حيث تعتمد أوروبا على إطالة الزمن عاملًا يساعد في مراكمة تأثيرات ميدانية تقلل من قدرة روسيا على فرض وقائع جديدة.
وبهذا الشكل، تصبح المسألة أمام أوروبا مرتبطة بمعادلة دقيقة بين عاملين: إضعاف روسيا لمنع توسع المخاطر مستقبلًا، وتحقيق مكاسب استراتيجية خلال الوقت. ومن هنا، لا يبدو إنهاء الحرب—حسب هذا التصور—هدفًا آنيا بقدر ما هو نتيجة مرجحة عند توفر شروط تضمنها أوروبا عبر استنزاف القدرات الروسية وإعادة تشكيل ميزان القوة على المدى الطويل.

التعليقات