التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور هشام بشير، أستاذ العلاقات الدولية، أن مصر تمتلك إرثًا حضاريًا وتاريخيًا عميقًا ينعكس مباشرة على مكانتها وثقلها على المستويين الإقليمي والدولي، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في مسارات القضايا المحورية التي تشهدها المنطقة. فعمق التاريخ والحضور الثقافي والحضاري لمصر لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يتحول إلى عنصر قوة ناعمة يساعد في توسيع دائرة الشراكات وبناء الثقة مع مختلف الأطراف.

وأوضح بشير في تصريحات تليفزيونية أن مصر، رغم ما شهدته المنطقة من اضطرابات عقب ما عُرف بأحداث ثورات الربيع العربي وما تلاها من أزمات وتحديات، تمكنت من إعادة ضبط أولوياتها بسرعة نسبية، والعمل على استعادة حالة التوازن وضمان الاستقرار. وأشار إلى أن نجاح مصر في ذلك انعكس على سياستها الخارجية، وظهر بصورة واضحة من خلال مسارات التعاون الاستراتيجي مع دول كبرى، من بينها توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع الصين في عام 2014، والتي اعتُبرت محطة مهمة في تطوير العلاقات المصرية-الصينية بما يخدم المصالح المشتركة على المدى الطويل.

كما شدد بشير على أن مصر استطاعت الحفاظ على موقفها المؤثر إزاء القضايا الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وملف قطاع غزة. وبيّن أن الموقف المصري كان واضحًا في رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو المساس بطبيعة قطاع غزة، انطلاقًا من اعتبارات إنسانية وسياسية تستند إلى ثوابت الدولة وحرصها على حماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وتناول بشير أيضًا قدرة مصر على فرض احترام مواقفها حتى أمام ضغوط خارجية، بما في ذلك الضغوط الأمريكية في بعض الملفات الإقليمية. وأوضح أن ثبات الموقف المصري تجاه قضية التهجير لم يكن مجرد رد فعل ظرفي، بل جاء كنتاج لاستراتيجية متماسكة تحافظ على ثوابت السياسة الخارجية وتوازن بين متطلبات الأمن القومي والتعامل مع تعقيدات المشهد الدولي.

ولتعزيز فكرة أن التاريخ والحضارة يشكلان ركيزة من ركائز القوة الدولية، أشار بشير إلى واقعة لافتة تتعلق بإشارات جاءت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومن الرئيس الصيني إلى وجود أشجار يعود عمر بعضها لأكثر من 400 عام. ورأى أن مثل هذه الإشارات تعكس كيف يمكن لعناصر تاريخية عميقة أن تصبح جزءًا من لغة الاحترام والتقدير بين الدول، وأنها تساهم في رسم صورة أكثر تأثيرًا للدول ذات الجذور الحضارية الممتدة.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الإرث الحضاري المصري لا يعمل فقط كعامل جذب سياحي وثقافي، بل يتحول كذلك إلى رافعة في الدبلوماسية متعددة المسارات، عبر دعم الحوار بين الحضارات، وتعزيز مكانة مصر في مبادرات التعاون الإقليمي والدولي، وبناء شراكات ترتكز إلى الثقة المتبادلة والالتزام بالثوابت. كما أن قدرة مصر على الجمع بين الجوانب التاريخية العميقة وبين إدارة التحديات الراهنة تُعد أحد أسباب استمرار ثقلها، ومواصلة دورها كفاعل إقليمي مؤثر في الملفات الكبرى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *