أطلقت الجهات الرقابية والأمنية في الاتحاد الأوروبي حزمة تحذيرات متزايدة للشركات العاملة في القطاعات الحيوية، بالتزامن مع اقتراب المواعيد النهائية الملزمة لتطبيق توجيهات الأمن السيبراني الأوروبية NIS2 في شهر أكتوبر المقبل. ويهدف الإطار التشريعي الجديد إلى رفع مستوى جاهزية المؤسسات وتقليل احتمالات التعرض للهجمات السيبرانية التي قد تؤثر في الخدمات العامة والاقتصاد. وتشمل التشريعات غرامات مالية مرتفعة قد تصل إلى عشرة ملايين يورو أو ما يعادل 2% من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية للكيانات غير الممتثلة، مع تداعيات قانونية قد تمتد لتشمل مسؤوليات مباشرة على مستوى مجالس الإدارة، بما قد يصل في بعض الحالات إلى عواقب على ممارسة المسؤولين التنفيذيين لمهامهم الإدارية.
وفي هذا السياق، تركز التحذيرات بشكل واضح على ملف الهوية الرقمية وإدارة الوصول (IAM)، باعتباره نقطة انطلاق شائعة للهجمات. فاختراق حسابات المستخدمين أو استغلال كلمات المرور المسروقة يُعد من أكثر المسارات التي تعتمد عليها مجموعات القرصنة للولوج إلى الأنظمة ومن ثم التوسع داخل الشبكات. ووفقًا لبيانات وردت في تقارير أمنية منشورة، فإن استغلال بيانات الاعتماد المسروقة يظهر بنسبة كبيرة ضمن حوادث الاختراق، حيث تُستخدم للتحرك عبر البيئة الرقمية بعد الدخول الأولي وصولًا إلى موارد حساسة مثل قواعد البيانات والأنظمة الداخلية.
ولذلك، تصبح عناصر مثل التحكم في الوصول إلى الأنظمة، وإحكام إدارة الهويات والصلاحيات، وتطبيق أساليب التحقق المتعدد عوامل (MFA) جزءًا أساسيًا من أي خطة امتثال فعّالة. كما تشير التوجيهات إلى أهمية تحسين سياسة كلمات المرور وتقليل مخاطر إعادة استخدامها أو تسريبها، إلى جانب تعزيز استراتيجيات تحديد الصلاحيات وفق مبدأ أقل امتياز (Least Privilege). وتوصي فرق الخبراء بأن تُنفذ هذه الإجراءات ضمن جداول زمنية قصيرة نسبيًا—قد تمتد لعدة أسابيع—لأن التأخير في معالجة الثغرات الأكثر شيوعًا يرفع احتمالية وقوع الحوادث قبل بدء تدقيق الجهات الرسمية.
ومن ضمن الإجراءات الاستباقية التي يُنصح بها لتقوية الجاهزية قبل تطبيق NIS2، تشدد التوجيهات على ضرورة:
1) **تدقيق أنظمة إدارة الهويات والوصول**: مراجعة الحسابات المفعّلة، وحصر صلاحيات المستخدمين، واكتشاف الحسابات غير الضرورية أو القديمة.
2) **تحصين بيانات الاعتماد**: اعتماد التحقق متعدد العوامل، وتفعيل سياسات أكثر صرامة لكلمات المرور، ومراقبة محاولات الدخول غير المعتادة.
3) **تحسين سجلات الوصول والمراجعة المستمرة**: توثيق عمليات الدخول والوصول إلى الموارد المهمة، وربط ذلك بمنظومات مراقبة وتحليل تنبيهات الاستجابة.
4) **تحديد المخاطر داخل نطاق “التوريد”**: تدقيق سلاسل التوريد الرقمية والتأكد من توافق الموردين مع متطلبات الأمن السيبراني، لأن الاختراقات قد تنشأ عبر مزودين أو تكاملات.
5) **جاهزية الاستجابة للحوادث**: وضع إجراءات واضحة للإبلاغ والتصعيد والتعامل مع الحوادث، بما يقلل أثر الاختراق ويُظهر التزامًا تنظيميًا عند وقوع حادث.
كما يُنصح المؤسسات بإجراء تقييمات دورية لثغرات الوصول والامتثال، وربط ذلك ببرامج تدريب للموظفين لتقليل المخاطر البشرية مثل الوقوع في التصيّد أو مشاركة بيانات الدخول. ومن الناحية العملية، فإن الجمع بين صرامة الضوابط التقنية—مثل MFA وتجزئة الصلاحيات ومراقبة السلوك—وبين الانضباط المؤسسي في التوثيق والحوكمة، يساعد الشركات على تقليل احتمال الاختراقات قبل أن تخضع للتدقيق الرسمي.
في النهاية، تمثل NIS2 فرصة لتوحيد معايير الأمن السيبراني ورفع سقف الالتزام في الاتحاد الأوروبي، لكن تطبيقها قبل أكتوبر المقبل يتطلب تحركًا سريعًا ومدروسًا—خصوصًا في جانب الهوية الرقمية. فكلما كانت الضوابط الخاصة بالتحكم في الوصول وإدارة بيانات الاعتماد أكثر صلابة، تقل فرص استغلال كلمات المرور المسروقة للتوسع داخل الشبكات، وتتراجع احتمالات التعرض لعقوبات مالية وتنظيمية جسيمة.

التعليقات