تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر اليوم أهمية استثنائية تتجاوز فكرة الزيارة البروتوكولية بين رئيسي دولتين؛ إذ تُعد الزيارة الأولى لشي إلى القاهرة منذ عشر سنوات، وتأتي بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين عام 1956. وتزداد دلالتها في لحظة يشهد فيها النظام الاقتصادي والسياسي الدولي تحولات متسارعة، تترافق مع تنافس متزايد على النفوذ والأسواق وممرات التجارة وسلاسل الإمداد، فضلًا عن الضغط على الطاقة والتكنولوجيا.
وتأتي زيارة الرئيس الصيني في إطار برنامج تحرك خارجي أعلنته وزارة الخارجية الصينية يمتد من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر، بينما تشير المعلومات المتداولة حول المحطة المصرية إلى مدة تقارب ثلاثة أيام بحسب بعض التغطيات، دون أن تُفصح البيانات الرسمية المصرية الأولى عن تفاصيل دقيقة بخصوص المدة.
من جانبه، يرى الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، أن هذه الزيارة تأتي في صورة «زيارة دولة»، وأن توقيتها لا يُفهم بمعزل عن مسار التحرك الخارجي للرئيس الصيني الذي بدأ بمشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان قبل التوجه إلى مصر.
## لماذا مصر تحديدًا؟ ولماذا الآن؟
يركز الجوهرى على مجموعة أسئلة جوهرية: لماذا اختارت الصين مصر؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ ولماذا منحت بكين القاهرة مساحة ضمن جدولها الخارجي؟ وما الذي تريده الصين من مصر، وما الذي يمكن أن تحققه مصر من هذه المحطة؟
ويشير إلى أن عودة شي إلى مصر بعد عقد كامل تحمل دلالة سياسية واضحة؛ فآخر زيارة له كانت في يناير 2016. خلال هذه السنوات تغيرت مصر وتغيرت الصين وتغير العالم نفسه. إذ توسعت مصر في البنية الأساسية والموانئ والطرق والطاقة والمدن الجديدة، وجرى إطلاق العاصمة الإدارية الجديدة، وتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والانضمام إلى مجموعة بريكس، فضلًا عن التحرك نحو نموذج اقتصادي يمنح الصناعة والتصدير والاستثمار الأجنبي المباشر دورًا أكبر بدلًا من الاعتماد بدرجة مرتفعة على الاستيراد والتمويل الخارجي.
وفي المقابل، أصبحت الصين أكثر حضورًا في الاقتصاد العالمي وأكثر انخراطًا في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتجاوزت المنافسة بينها وبين الولايات المتحدة مسار التجارة التقليدية لتشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد والعملات والنفوذ الجيوسياسي. لذلك يرى الجوهرى أن زيارة 2026 مختلفة عن زيارة 2016؛ فالأخيرة كانت، في جانب كبير منها، لبناء الشراكة، بينما تبدو زيارة اليوم كخطوة لإعادة تعريف حجم هذه الشراكة ووظيفتها في العقد المقبل.
## توقيت الزيارة وغطاؤه التاريخي
يمثل عام 2026 ذكرى مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين منذ 1956؛ إذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. ويعد هذا الإطار التاريخي بمثابة غطاء مهم للزيارة، لكنه لا يفسر وحده سبب اختيار التوقيت.
ويرى الجوهرى أن السبب الأعمق يرتبط بدخول العالم مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية. فالتوترات التجارية الدولية تتزايد، والمنافسة الأمريكية-الصينية مستمرة، والاقتصاد العالمي يعاني ضغوطًا مرتبطة بالطاقة والتجارة وسلاسل التوريد. كما بات تأمين طرق التجارة والوصول إلى الأسواق مسألة أمن قومي بالنسبة للقوى الكبرى. وفي هذه الخريطة تقع مصر في موقع يصعب تجاهله.
## مصر ليست سوقًا فحسب بالنسبة للصين
يشدد الجوهرى على خطأ اختزال أهمية مصر للصين في تعداد السكان أو حجم السوق فقط. فالصين تنظر إلى مصر بمنظور جغرافي واقتصادي أوسع؛ إذ تقع مصر في نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية شديدة الأهمية لبكين: الشرق الأوسط، وأفريقيا، والبحر المتوسط. وفي قلب هذه الدوائر تبرز قناة السويس كحلقة اتصال بين طرق التجارة والاتجاهات الصناعية.
وتؤكد الرؤية الصينية أن ضمان أمن التجارة البحرية وسرعة انتقال السلع إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا أمر حيوي لاقتصادها الذي يعتمد على التصدير. ومن ثم، فإن قناة السويس تمثل أحد أهم الممرات التي تربط الإنتاج الآسيوي بالأسواق الأوروبية. وبناءً على ذلك، فإن مصر لا تُنظر إليها كدولة تشتري المنتجات الصينية فقط، بل كمركز محتمل للإنتاج واللوجستيات والتصدير والوصول إلى أسواق تتجاوز الجغرافيا المصرية.
## الرهان الصيني: التصنيع داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
يبرز محور اقتصادي رئيسي يتمثل في زيادة التصنيع داخل مصر بدلًا من الاكتفاء بالتصدير إليها. الفكرة، كما يوضح الجوهرى، أكثر من منطق: فبدلًا من إنتاج شركة صينية داخل الصين ثم تصدير المنتجات إلى مصر وما يستتبعه ذلك من تكاليف شحن ومخاطر تداول وأسواق وقيود جمركية وتقلبات في العملات، يمكن الاستثمار في تصنيع داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتصبح المنشآت الأقرب إلى المستهلكين في مصر وإلى الأسواق الإفريقية والشرق أوسطية والأوروبية.
وتبعا لذلك، يمكن أن تتحول مصر إلى قاعدة صناعية لبعض الصناعات الصينية الموجهة للتصدير. كما يشير الجوهرى إلى أن الرئيس السيسي حدد في مقال نشر بالتزامن مع الزيارة قطاعات ذات أولوية، من بينها: السيارات الكهربائية، وبطاريات تخزين الطاقة، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات، ومكونات تحلية مياه البحر، وبناء السفن.
## لماذا مدة الزيارة لافتة؟
في عالم الدبلوماسية الرئاسية، للوقت رمزية تتصل بحجم الملفات. وبرنامج الرئيس الصيني حافل، وتخصيص محطة ممتدة نسبيًا في مصر بعد غياب عشر سنوات يوحي بأن الموضوعات ليست اجتماعات سياسية قصيرة فقط، بل أجندة أوسع. وتختلف التقديرات حول مدة الزيارة بين مصادر تشير إلى ثلاثة أيام وبين بيانات رسمية مصرية أولية لم تحدد المدة تفصيليًا.
ورغم اختلاف التفاصيل حول عدد الأيام، فإن الأهم هو نوع الزيارة وطبيعة أجندتها باعتبارها «زيارة دولة» تشمل متابعة الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تم تدشينها عام 2014، إلى جانب التعاون الاقتصادي والاستثماري والصناعي، إضافة إلى القضايا الإقليمية والدولية.
## تسوية التجارة باليوان لتخفيف الضغط على الدولار
ينوه الجوهرى بأن مصر عضو في تجمع بريكس، والصين لاعب رئيسي داخله، وأن توسيع استخدام اليوان في تسوية جزء من التجارة بين البلدين يمكن أن يساعد على تخفيف الطلب على الدولار. ومع ذلك، يؤكد أن الأمر لا يعني استبدال الدولار بالكامل؛ فالدولار سيظل عملة محورية في التجارة والتمويل الدولي في المدى القريب والمتوسط.
لكن إن نجحت مصر في زيادة نسبة التسويات باليوان بالتوازي مع نمو صادراتها إلى الصين، فقد يقل جزء من الضغط على مواردها الدولارية، وهو توجه يمكن تطويره تدريجيًا خلال المرحلة المقبلة.
## البعد السياسي: أمن الممرات البحرية في قلب الاهتمامات
ترى القراءة التي يقدمها الجوهرى أن الزيارة ليست اقتصادية فقط؛ إذ يوجد بعد سياسي شديد الأهمية. فالمنطقة تشهد توترات واضطرابات عبر عدة مسارات: علاقات معقّدة مع إيران والخليج، وقضية مضيق هرمز، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، والحرب في غزة والقضية الفلسطينية، فضلًا عن الأوضاع في السودان وليبيا والقرن الأفريقي ولبنان.
وترتبط هذه الملفات بمصالح الصين بدرجة مباشرة أو غير مباشرة؛ لأن الصين تعتمد بشكل كبير على التجارة البحرية وعلى إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط. وأي اضطراب في مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو باب المندب لا يُعد مشكلة إقليمية فحسب بالنسبة لبكين، بل قد يتحول إلى تكلفة اقتصادية على سلاسل الإمداد وأسعار النقل والتوريد.
ومن هنا تبرز أهمية مصر كدولة محورية في أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط والعالم العربي وأفريقيا، ما يجعل وجودها في دائرة الاهتمام الصيني مبررًا استراتيجيًا.
## آفاق محتملة للشراكة خلال السنوات المقبلة
تتجه الأنظار إلى أن تكون زيارة 2026 خطوة نحو توسيع نطاق الشراكة بين البلدين لتشمل: تعزيز التصنيع المرتبط بالتصدير، وتكامل لوجستي عبر الموانئ وممرات التجارة، وتطوير مجالات التكنولوجيا والطاقة، مع الاستفادة من موقع مصر الجغرافي في ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. كما يمكن أن تمتد آثار الزيارة إلى نماذج جديدة للتعاون المالي والتجاري بما يوازن بين احتياجات مصر التمويلية ومتطلبات الصين في تقليل مخاطر سلاسل الإمداد.
وبينما يبقى ما سيتم من اتفاقات وتفاصيل تنفيذية رهين البيان الرسمي ومخرجات الاجتماعات، فإن المؤشرات التي يطرحها الخبراء تؤكد أن الزيارة تُدار على مستويين متداخلين: شراكة اقتصادية تستند إلى قناة السويس واللوجستيات والتصنيع، وشراكة سياسية-استراتيجية تستهدف استقرار الممرات البحرية وضمان تدفق التجارة والطاقة في منطقة شديدة الحساسية.

التعليقات