تعتزم سنغافورة ضخ 220 مليون دولار سنغافوري في قطاع التكنولوجيا المالية (FinTech) ضمن حزمة دعم حكومية جديدة تأتي في وقت يشهد فيه التمويل الخاص للشركات العاملة في القطاع تراجعًا حادًا، مسجلًا أضعف مستوياته خلال النصف الأول من العام منذ قرابة عقد. وتأتي هذه الخطوة بهدف الموازنة بين احتياجات السوق لحلول مبتكرة من جهة، وتراجع شهية المستثمرين من جهة أخرى، عبر تخفيف كلفة التجربة والتوسع وبناء القدرات البشرية والتقنية.
أعلن جان كيم يونج، نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة والصناعة ورئيس سلطة النقد في سنغافورة، عن التمويل الجديد، في خطوة تستهدف تعزيز الابتكار وتبنّي الذكاء الاصطناعي وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى دعم المهارات داخل القطاع المالي. ويُعد التمويل جزءًا من النسخة الرابعة من برنامج «التكنولوجيا والابتكار في القطاع المالي»، وهو برنامج بدأ عام 2015 وموّل حتى الآن أكثر من 350 مشروعًا.
يمتد البرنامج الجديد على ستة مسارات رئيسية، تشمل الابتكار المؤسسي، وتبني الذكاء الاصطناعي، وبناء البنية التحتية والمنصات، وتنمية المواهب. ويركّز مسار تنمية المواهب على تحقيق أهداف تشغيلية دقيقة، من بينها توفير ما لا يقل عن ألف فرصة تدريب في مجال التكنولوجيا المالية خلال ثلاث سنوات، مع تقاسم تمويل مكافآت التدريب. ويُنظر إلى هذا المسار بوصفه تدخلًا مباشرًا في سوق العمل وليس مجرد مبادرات منح نظرية، بما يضمن تحويل الدعم إلى خبرات عملية يمكن للشركات الاعتماد عليها.
وفي تعليق على توجهات البرنامج، أكد جان كيم يونج أن هذه الجهود ينبغي أن تساعد المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا المالية والعاملين في القطاع على الابتكار والتوسع وبناء القدرات للاستفادة من الفرص الجديدة. كما شدد على دور الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لفتح فرص، لا مجرد تقنية تُقصي الأطراف الأخرى؛ إذ اعتبر أن قطاع الخدمات المالية ليس سوقًا تقود فيه مكاسب طرفٍ بالضرورة إلى خسارة طرف آخر، بل مجالًا واسعًا لإعادة تصميم الخدمات وتحسين الكفاءة.
ورغم إعلان سنغافورة عن حزمة دعم جديدة، تعكس مؤشرات التمويل الخاص واقعًا أكثر تعقيدًا. فقد جمعت شركات التكنولوجيا المالية في سنغافورة 499 مليون دولار عبر 53 صفقة خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ 1.45 مليار دولار عبر 97 صفقة خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وتظهر الصعوبة بوضوح أكبر عند النظر إلى توزيع التمويل، إذ استحوذت صفقة واحدة للمدفوعات العابرة للحدود بقيمة 320 مليون دولار في يونيو على ما يقرب من ثلثي إجمالي التمويل، بينما لم تتجاوز حصيلة باقي الشركات نحو 179 مليون دولار فقط.
كما انخفض عدد الصفقات بوتيرة أكبر انخفاضًا جزئيًا، من 97 إلى 53 صفقة، وهو ما يوحي باستمرار نشاط السوق لكن بأحجام استثمارية أصغر. كذلك، تشير البيانات إلى أن الشركات في مراحلها المبكرة حافظت على قدر من الزخم، بينما تراجعت الجولات الموجهة إلى الشركات التي تسعى إلى التوسع والنمو، وهو نمط يتكرر عادة في فترات التراجع عندما يعيد المستثمرون تقييم المخاطر والجدوى.
وعلى مستوى التوجهات القطاعية داخل التكنولوجيا المالية، استحوذ قطاع الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة على 365.9 مليون دولار عبر 18 صفقة، ما يعكس استمرار جاذبية التقنيات التي يمكنها تحسين التحليل المالي والكشف عن الاحتيال وأتمتة العمليات. في المقابل، سجل قطاع الأصول الرقمية 27 صفقة بقيمة 95.5 مليون دولار؛ وهو مستوى يوضح أن النشاط لم ينقطع من حيث عدد الصفقات، لكن الجزء الأكبر من التمويل ظل متوجهًا إلى شركات الذكاء الاصطناعي.
وتؤكد الأرقام أن سنغافورة لا تزال سوقًا رئيسية للتكنولوجيا المالية. إذ تستضيف نحو 1800 شركة في القطاع يعمل بها قرابة 10 آلاف شخص. كما حصل القطاع في 2025 على ما يقرب من 3 مليارات دولار سنغافوري قبل أن يظهر التراجع في التمويل خلال العام الجاري. ويبرز ذلك أن التحدي الحالي يتمثل في ضغط السيولة والتمويل الخاص أكثر من كونه فقدانًا كاملًا للاهتمام بالسوق.
ولا يقتصر هذا الوضع على سنغافورة، إذ شهدت أسواق أخرى تراجعًا مشابهًا. فقد وصل تمويل التكنولوجيا المالية في بريطانيا إلى أدنى مستوى له خلال عقد هذا العام، بينما جاءت الجولات الأوروبية في ظل صورة أشمل من التراجع بدلًا من تعافٍ واضح. وتفسير ذلك غالبًا يرتبط بتباطؤ الاستثمار العالمي في مراحل مختلفة، مع زيادة التركيز على عائد الاستثمار والقدرة على تحقيق نمو قابل للقياس.
وتملك سنغافورة سببًا إضافيًا للتحرك بدلًا من الانتظار، يتمثل في منافسة مراكز مالية كبرى في المنطقة والعالم لجذب الشركات والاستثمارات نفسها، مثل هونغ كونغ ودبي ولندن. وتُشير الخبرة إلى أن استمرار الركود في أحد المراكز لفترة طويلة قد يؤدي إلى تحوّل بعض الشركات إلى مراكز منافسة، ما يجعل دعم المواهب والابتكار جزءًا من استراتيجية الحفاظ على الجاذبية طويلة الأمد.
ومن حيث المنهج، يختلف نهج سنغافورة عن بعض التحركات في دول أخرى. فعلى سبيل المثال، اتجهت بريطانيا إلى إنشاء صندوق نمو خاص بقيمة مليار جنيه إسترليني لمعالجة فجوة التمويل. أما سنغافورة فتعتمد بشكل أكبر على توظيف التمويل الحكومي لدعم البنية التحتية وتبنّي التكنولوجيا وتنمية المواهب. وتؤكد مصادر البرنامج أن الهدف ليس تعويض مليارات الدولارات التي اختفت من التمويل الخاص، بل خفض تكلفة تجربة التقنيات الجديدة، بما في ذلك حلول الذكاء الاصطناعي، وتدريب الكوادر، كي تتمكن الشركات من الاستمرار والانتقال إلى مراحل نمو مستقبلية.
ويرتبط نجاح البرنامج بعدة عوامل، أهمها طبيعة سبب تراجع التمويل الخاص. فإذا كان التراجع ناتجًا عن إعادة تقييم المستثمرين لسوق التكنولوجيا المالية عالميًا، فقد يساعد خفض تكلفة التجربة والابتكار في الحفاظ على قدر من الزخم داخل الشركات حتى تتحسن معنويات المستثمرين وتعود التدفقات. أما إذا كانت سنغافورة تتعرض لتآكل جزء من جاذبيتها لصالح مراكز منافسة، فقد لا يكفي دعم المواهب وحده لمعالجة المشكلة، ما يفرض استمرار تقييم فعالية أدوات الدعم ومواكبتها لتغيرات المنافسة العالمية.
ويمنح استمرار برنامج «التكنولوجيا والابتكار في القطاع المالي» منذ أكثر من 11 عامًا قاعدة عملية لتطوير السياسات. فقد تم تمويل أكثر من 350 مشروعًا، وهي فترة تسمح بتقييم ما نجح وما يحتاج إلى تحسين، ثم صياغة البرنامج الجديد الممتد لثلاث سنوات، والذي يضم ستة مسارات، بهدف تعزيز قدرات القطاع والاستعداد لاحتمال عودة تدفقات الاستثمار الخاص في المستقبل.
وبينما يظل التمويل الحكومي عاملًا داعمًا، تراهن سنغافورة عبر هذا البرنامج على تقليل أثر التراجع في التمويل الخاص عبر رفع قدرة الشركات على التجربة والتوسع وبناء الكفاءات، بدلًا من محاولة سد الفجوة بالكامل بالتمويل العام وحده. وبذلك، تقدم الخطة نموذجًا يوازن بين الاستجابة السريعة لتحديات السوق والاستثمار في بناء بنية قادرة على مواكبة الموجة التالية من الابتكار في الخدمات المالية.

التعليقات