التخطي إلى المحتوى

تواصل منطقة آثار سقارة تأكيد مكانتها بوصفها خزانًا معرفيًا متجددًا لتاريخ مصر القديمة، حيث أسفر كشف أثري جديد عن إظهار ملامح شخصية نافذة عاشت ضمن بدايات الدولة القديمة، في حقبة تُعرف بعصر بناة الأهرام. ويتمثل الاكتشاف في العثور على بقايا تخص «سخنتيو بتاح»، أحد كبار رجال الدولة في تلك المرحلة المبكرة، بما يعزز فهمنا لطبيعة الإدارة والطقوس الدينية في مجتمع هرمي التنظيم.

وتبرز أهمية «سخنتيو بتاح» من خلال الأدوار والألقاب التي تحملها بقاياه، إذ كان مسؤولًا عن الوثائق الملكية ومطلعًا على أسرار الأوامر الصادرة عن السلطة الحاكمة، وهو ما يعكس قربه من دوائر الحكم ومشاركته في إدارة شؤون الدولة. كما تُظهر الشواهد أنه شغل وظيفة كاهن للمعبودة «معت»، رمز الحق والعدالة في العقيدة المصرية القديمة، ما يشير إلى ارتباطه بنظام ديني-سياسي يضمن بقاء مفهوم العدالة والحكم الرشيد حاضرًا ضمن خطاب الدولة.

وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت نتائج الكشف أن «سخنتيو بتاح» كان يشرف على الكتبة، وهي فئة كانت تُعد من أكثر فئات المجتمع قربًا من صنع القرار، نظراً لطبيعة مهامها في الكتابة والحفظ وتدوين السجلات. وتؤكد الألقاب التي نُسبت له أنه لم يكن مجرد موظف إداري، بل شخصية ذات مكانة رفيعة ضمن هرم الوظائف التي لم تكن متاحة بسهولة لجميع أفراد المجتمع، ما يعكس درجة التعليم والتخصص التي كانت مطلوبة لتولي هذه المناصب.

وفي تصريحات مرتبطة بأعمال البعثة، أكد الدكتور عمرو الطيبي مدير عام منطقة آثار سقارة ورئيس البعثة المصرية العاملة بجبانة البوباسطيون، أن الكشف يمثل الإعلان الثاني خلال الفترة الحالية في جبانة البوباسطيون، بعد الكشف الأول الذي أسفر عن العثور على ثلاثة مقابر تعود إلى عصر الدولة الحديثة في منطقة شرق البوباسطيون. أما الاكتشاف الجديد فقد تم في منطقة غرب البوباسطيون، ليضيف بعدًا زمنيًا أعمق إلى تاريخ الموقع، من خلال توثيق نشاط دفني وإداري مرتبط بعصر بناة الأهرام.

ومن أبرز ما تم توثيقه خلال أعمال الحفائر هو العثور على الباب الوهمي في موضعه الأصلي، بما يحافظ على سياقه الأثري ويعزز قراءة تفاصيل المقبرة. ويُذكر أن الباب الوهمي يحمل ألقاب صاحب المقبرة، كما تم العثور أمامه على مائدة قرابين مصنوعة من حجر الألبستر، وهو اختيار معماري-طقسي يدل على أهمية المقام الجنائزي وما يحمله من دلالات مرتبطة بتقديم الطعام والقرابين للمتوفى في إطار الاعتقاد باستمرار الحياة في العالم الآخر.

كما كشفت أعمال البعثة عن آبار دفن متعددة قرب الجزء الخاص بالمقبرة وحوله، تنتمي إلى العصر ذاته، مع رصد مجموعة من اللقى الأثرية المتنوعة. ومن بين هذه اللقى تماثيل الأوشبتي المصنوعة من الفاينس، وهي تماثيل كانت تُوضع في سياق تجهيزات ما بعد الوفاة، بهدف أداء مهام محددة نيابة عن المتوفى في العالم الآخر. إلى جانب ذلك تم العثور على نحو ثلاث توابيت حجرية مغلقة لم تمس، ما يجعلها محورًا محتملًا لدراسة طقوس الدفن وتفاصيل التجهيزات الداخلية للمقابر.

وتتضمن نتائج الكشف أيضًا أواني أثرية من الفخار، إضافة إلى تماثيل أوشبتي، بما يوحي بأن المقبرة احتوت على عناصر كاملة وشاملة تعكس تنوع الاحتياجات الجنائزية. ومع بدء التعامل مع هذه التوابيت ودراستها ضمن أعمال المرحلة المقبلة، من المتوقع أن تسهم التحليلات في تحديد أدق لتفاصيل السرد الديني والوظيفي المرتبط بـ«سخنتيو بتاح» وربطها بالسياق الإداري لعصر بناة الأهرام.

يُعد هذا الكشف، في مجمله، إضافة جديدة إلى سجل سقارة الحافل بالأسرار، لأنه لا يكتفي بتقديم آثار مادية، بل يعيد ترتيب صورة المجتمع القديم عبر إبراز شخصية ذات أدوار إدارية ودينية في آن واحد. وبذلك، يستمر الموقع في تقديم شواهد تمنح الباحثين مادة غنية لإعادة قراءة بدايات الدولة القديمة، وفهم كيفية تلاقي التنظيم الحكومي مع المعتقدات الجنائزية والرموز الدينية مثل «معت» داخل بنية السلطة والمعنى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *