شهدت الرياضة المصرية خلال العقد الماضي تحوّلاً جذرياً يعكس انتقالها من مرحلة الاعتماد على جهود فردية وإمكانات محدودة إلى منظومة وطنية متكاملة تركّز على تطوير المنشآت، وتوسيع فرص الممارسة، وبناء مسار واضح لاكتشاف المواهب وصناعة الأبطال. ومع توالي الخطوات التنظيمية والاستثمارية، بدأت مصر تظهر بشكل أقوى على المستويين القاري والدولي، سواء عبر المنتخبات أو الأندية أو استضافة كبرى الأحداث الرياضية.
على مدار سنوات قريبة من اليوم، كانت أبرز التحديات تتمثل في ضعف عدد المنشآت المؤهلة، وقلة الاستثمارات في التدريب المتخصص، وتفاوت فرص اكتشاف المواهب بين المحافظات. لكن الصورة تغيّرت تدريجياً؛ إذ أصبحت البنية الرياضية في مصر اليوم أكثر اتساعاً وتنوعاً، وأصبحت منظومة الاستعداد لاستضافة البطولات الكبرى أكثر نضجاً، بما ساعد على دفع الرياضة من طور “الإنجاز المتقطع” إلى نموذج “التخطيط المستمر”.
في كرة القدم، كان الوصول إلى كأس العالم يمثل حلماً مؤجلاً لعقود. وبعد انتظار طويل قارب 28 عاماً، نجح منتخب مصر في كسر هذه العقدة والتأهل إلى مونديال روسيا 2018. ولم يقتصر التطور عند هذا الحد؛ إذ جاءت محطات لاحقة لتعزز حضور الفراعنة عالمياً، وفي عام 2025 تم التأهل مجدداً لنهائيات كأس العالم في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، مع تحقيق أداء قوي وصل بالمنتخب إلى دور الـ16، وهو ما يعكس تحسن مستوى الإعداد الفني والبدني وتراكم الخبرات على مدار دورات متتابعة.
وعلى مستوى الأندية، واصلت الكرة المصرية فرض حضورها في القارة الأفريقية من خلال مسار طويل من المنافسة القوية. فقد نجح الأهلي في الوصول إلى نهائي دوري أبطال أفريقيا خلال آخر 5 نسخ، كما استطاع التتويج باللقب 4 مرات، في إشارة إلى استمرارية مدرسة كروية قادرة على المنافسة في أعلى المستويات. كما تمكن الزمالك من التتويج بلقب كأس الكونفدرالية الأفريقية مرتين، بينما حقق بيراميدز إنجازاً تاريخياً بالتتويج بدوري أبطال أفريقيا للمرة الأولى في تاريخه. هذه النتائج لا تعبر فقط عن تفوق في مباراة أو موسم، بل تعكس تحسن البنية الإدارية والرياضية وارتفاع المنافسة داخل الدوري المحلي بما ينعكس على الأداء القاري.
ولم تكن طفرة كرة القدم وحدها، بل امتدت إلى رياضات متعددة، حيث تحولت مصر إلى وجهة لاستضافة بطولات عالمية وقارية. وشملت الاستضافات أحداثاً في اليد مثل “سوبر جلوب” لكرة اليد في العاصمة الإدارية الجديدة، إضافة إلى بطولة العالم للشباب تحت 19 عاماً بمشاركة 32 منتخباً، ما يعزز صورة مصر كمركز لتنظيم الفعاليات الرياضية. كما استضافت مصر بطولات عالمية في الجمباز الفني، إلى جانب بطولات للاتحاد الدولي للسلاح، بما يؤكد تطور الإمكانيات التنظيمية وارتفاع جاهزية الملاعب والصالات لاستقبال منافسات دولية.
وتستمر الريادة أيضاً في الخماسي الحديث والإسكواش، حيث شهدت مصر استضافة عدة فعاليات مهمة تابعة للاتحاد الدولي مثل جولة كأس العالم ونهائي كأس العالم وبطولة العالم للتتابعات، إضافة إلى بطولات للفئات العمرية. وفي الإسكواش، احتضنت مصر بطولة العالم للناشئين والناشئات، لترسخ مكانتها كأحد أهم معاقل اللعبة. كما شهدت الرياضات المائية زخماً واضحاً عبر تنظيم بطولات عالمية للسباحة في المياه المفتوحة والسباحة الفنية بمشاركة دولية واسعة.
ومن أهم أعمدة التحول: تطوير المنشآت الرياضية على نطاق واسع. فقد تم تطوير 4335 ملعباً لكرة القدم، إلى جانب إنشاء وتطوير مدن شبابية ورياضية، واستادات وصالات رياضية، ووسائل مساندة مثل حمامات السباحة ومراكز للابتكار والتعلم الشبابي. كما جرى دعم منظومة المراكز المتخصصة والكوادر، عبر إنشاء وتطوير أندية ومراكز للطب الرياضي، وتطوير مركز تدريب الفرق القومية بالمعادي، بما يسهم في رفع جودة الإعداد الطبي والبدني والتأهيلي.
وتبرز مدينة مصر الدولية للألعاب الأولمبية بالعاصمة الإدارية الجديدة كأحد المشروعات المفصلية في ترسيخ مكانة مصر كمنصة للبطولات الكبرى. فهذه المدينة الرياضية المتكاملة تُعد نموذجاً للبنية التحتية القادرة على استيعاب مختلف الألعاب، وتمنح مصر مرونة أعلى لتنظيم الفعاليات الدولية واستضافة البطولات في بيئة تدريب واستعداد متقدمة.
ولم تقف المبادرات عند حدود المنشآت فقط، بل امتدت إلى تمكين الشباب داخل المحافظات عبر مبادرات وطنية مثل “حياة كريمة”. فقد شملت المرحلة الأولى إنشاء وتطوير شامل لـ1028 مركز شباب، بينما تضمنت المرحلة الثانية إنشاء 266 مركز شباب جديداً، إلى جانب تطوير شامل لـ760 مركزاً. وتمثل هذه الخطوة جسراً يضمن وصول الممارسة الرياضية إلى عدد أكبر من الشباب، وهو ما يزيد فرصة اكتشاف المواهب مبكراً وتحسين مساراتها.
وبهذا أصبحت قصة الرياضة المصرية اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل عقد من الزمن. فالمشهد لم يعد محصوراً في تحقيق ميداليات أو الفوز ببطولات فقط، بل أصبح قائماً على بناء منظومة تمتد من مركز الشباب، مروراً باكتشاف الموهبة وتطويرها، ثم دعمها بالتدريب والبرامج التخصصية وصولاً إلى المنافسة على منصات التتويج.
وتواصل وزارة الشباب والرياضة تنفيذ رؤية الدولة 2030، عبر أهداف طموحة تتمثل في زيادة عدد مراكز الشباب إلى 5100 مركز، وتنفيذ 3500 برنامج سنوي، ورفع معدل مشاركة المواطنين في ممارسة الرياضة إلى 35%. وهكذا يصبح ما تحقق في السنوات الماضية جزءاً من مشروع أوسع لبناء جيل رياضي أكثر إعداداً، وتعزيز مكانة مصر كقوة رياضية إقليمية ودولية، من خلال الاستثمار في الإنسان والقدرات والبنية التحتية معاً.

التعليقات