التخطي إلى المحتوى

تمتد تداعيات الحرب الأمريكية-الإيرانية منذ ستة أشهر، لتصنع معادلة أمنية جديدة لا تقتصر على ساحات الشرق الأوسط، بل تمتد آثارها إلى أوروبا حيث تتزايد المخاوف بشأن جاهزية القدرات الدفاعية الأمريكية والقادرة على دعم حلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي وقت يحاول فيه صانعو القرار الغربيون الموازنة بين أولويات متعددة، يبرز سؤال محوري: هل تكفي المخزونات والاستعدادات الحالية لحماية المجال الجوي الأوروبي في ظل تزايد التوتر مع روسيا واحتمالات تصاعد التهديدات الصاروخية والبالستية؟

وفي تقرير تليفزيوني تناولت خلاله قناة «القاهرة الإخبارية» تداعيات الحرب، أشير إلى أن صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن جزءًا من مخزونات الأسلحة الموجودة في القارة الأوروبية تعرض للاستنزاف، بعد تحويل كميات من الأسلحة والذخائر إلى مسارح العمليات في الشرق الأوسط. وتأتي هذه الإشارة في سياق نقاش أوسع داخل الأوساط السياسية والعسكرية حول تأثير نقل الذخائر على مستويات الجاهزية، وخصوصًا لدى منظومات الدفاع التي تعتمد عليها أوروبا بشكل ملحوظ.

باتريوت وأتاكمز في قلب المعادلة الدفاعية

تُعد منظومات «باتريوت» و«THAAD» و«أتاكمز» (ضمن قدرات الدفاع الجوي والصاروخي الغربية) من العناصر التي تركز عليها دول الناتو لحماية منشآتها وقواعدها الحيوية من الهجمات الصاروخية. ووفق ما ورد في التقرير، فإن نقل أجزاء من الذخائر ذات الصلة إلى الشرق الأوسط يثير تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على وتيرة الإمداد والتعويض في أوروبا، في وقت تتطلب فيه المتغيرات الميدانية هناك استمرار جاهزية الردع والدفاع.

ومع استمرار التوتر بين روسيا والدول الغربية، ومع تصاعد الحديث عن احتمالات تهديدات أمنية مستقبلية، تزداد حساسية الوضع في أوروبا. فالقارة تعتمد على شبكة معقدة من الرصد والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة والاعتراض، وأي خلل في الذخائر أو زمن التعويض قد ينعكس مباشرة على قدرة الاستجابة.

منظومات الدفاع الجوي والصاروخي: تحدٍ مزدوج

يرى مراقبون أن استنزاف المخزون الأمريكي لا يطرح تحديًا لوجستيًا فحسب، بل يمثل كذلك تحديًا استراتيجيًا: كيف تحافظ الولايات المتحدة على مستوى مناسب من الجاهزية الدفاعية في أوروبا بينما تواصل تحركاتها وتدعم عملياتها في الشرق الأوسط؟ ويعتمد هذا التوازن على عدة عوامل، منها وتيرة الإنتاج، وسلاسل الإمداد، وقدرة البنية الصناعية الدفاعية على سد الفجوات، إضافة إلى خطط التموضع والتحديث.

وتتضاعف المخاوف عندما تُطرح سيناريوهات هجوم متصل أو تصاعدي، إذ إن منظومات الاعتراض تتطلب ذخائر كافية لتغطية نوافذ تهديد قصيرة ومتكررة. كما أن تعدد مصادر التهديد (طائرات مُسيّرة وصواريخ قصيرة وطويلة المدى وبالستية) يضع عبئًا إضافيًا على أنظمة التتبع والاعتراض.

تحذير من نقص صواريخ باتريوت خلال سيناريو هجوم بالستي متواصل

وبحسب ما أورده التقرير، نقلًا عن مسؤول أمريكي، فإن القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا لا تمتلك في الوقت الراهن عددًا كافيًا من صواريخ «باتريوت» للتعامل مع هجوم بالستي روسي متواصل. ويُعد هذا التحذير نقطة تحول في النقاش، لأنه يلامس لبّ فكرة الردع: ليس فقط امتلاك منظومة الدفاع، بل امتلاك كمية الذخائر اللازمة للاستمرار خلال سيناريوات الضغط المتزايد.

ولذلك، تواجه دول الناتو معضلة مزدوجة: من جهة الحفاظ على منظومة الردع الجماعي، ومن جهة أخرى رفع جاهزية الدفاعات الجوية والصاروخية بالسرعة اللازمة. كما أن الاعتماد على عدد محدود من الاعتراضات قد يفرض تغييرًا في خطط توزيع الأهداف وطرق الاستجابة، بما يضمن عدم استنزاف المنظومات في المراحل الأولى من أي تصعيد.

أوروبا أمام خيار تسريع القدرات الذاتية

في ضوء الحديث عن تراجع المخزونات الأمريكية، يتوقع خبراء أن التطورات قد تدفع الدول الأوروبية إلى تقليص هامش الاعتماد على الدعم الخارجي، وتسريع خطط تطوير الصناعات الدفاعية المحلية. وتشمل هذه الخطط توسيع خطوط الإنتاج الدفاعية، وتوقيع عقود توريد طويلة الأمد، وزيادة إنتاج الذخائر الصاروخية وأنظمة الاعتراض، إضافة إلى إدخال تحسينات على الرصد والتحليل ودمج البيانات بين الدول.

كما قد يتحول استنزاف المخزون إلى عامل ضغط سياسي باتجاه رفع الإنفاق الدفاعي ورفع مستوى التعاقدات، لأن استمرار العجز في الذخائر يعني أن الدول ستكون مضطرة للتخطيط لمرحلة ما بعد الدعم الأمريكي المباشر. وفي المقابل، يزداد التركيز على تطوير قدرة مستقلة للتعامل مع التهديدات دون الانتظار حتى تصل الإمدادات من خارج القارة.

معضلة الشرق الأوسط وأوروبا: توزيع الأولويات تحت ضغط واحد

تواجه دول الناتو معادلة أمنية معقدة تتمثل في الحاجة إلى دعم عمليات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ومواجهة تهديدات مرتبطة بإيران، وفي الوقت نفسه ضمان عدم تراجع مستوى الحماية في أوروبا. وتعكس هذه المعضلة صعوبة توزيع الموارد العسكرية على جبهات متعددة، خصوصًا عندما تكون الذخائر والقدرات التقنية محدودة الزمن والكمية.

وفي هذا السياق، تُطرح على الحكومات الأوروبية أسئلة عملية تتعلق بتوازن الردع: هل يمكن الحفاظ على جاهزية الاعتراض في ظل نقل جزء من الذخائر؟ وما هو حجم الفجوات المتوقعة؟ وكيف ستؤثر الفجوات على خطط التدريب والتموضع والتحديث؟ وما مدى جاهزية الصناعة الأوروبية لتعويض النقص خلال أشهر؟

الخلاصة

مع مرور ستة أشهر على الحرب، يبدو أن استنزاف بعض المخزونات الأمريكية في أوروبا قد دفع الدفاعات الجوية والصاروخية إلى اختبار صعب، لا يتوقف عند الجانب اللوجستي، بل يمتد إلى استراتيجيات الردع والتخطيط المستقبلي. ومع استمرار التوتر مع روسيا، قد تُصبح سرعة تقوية القدرات الذاتية وتحديث منظومات الاعتراض ورفع حجم المخزون المحلي عاملًا حاسمًا لتقليل المخاطر، وتفادي سيناريوهات العجز عند مواجهة هجمات متكررة أو مكثفة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *