كنا فين وبقينا فين؟ سؤال يقترب من الإجابة من خلال أرقام النمو الاقتصادي التي ترسم ملامح تحول مهم في أداء الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة. بعد فترة اتسمت بتباطؤ نسبي نتيجة الضغوط العالمية والمحلية، بدأت المؤشرات الاقتصادية في إظهار تعافٍ تدريجي مدعوم بتحسن أداء قطاعات إنتاجية وخدمية، إضافة إلى تنامي دور الاستثمار الخاص.
وخلال أول 9 أشهر من العام المالي 2025/2026، سجل الاقتصاد المصري نموًا حقيقيًا بلغ 5.2%، وفقًا لأحدث البيانات الاقتصادية المعلنة. وتغطي هذه الفترة أشهر يوليو 2025 وحتى مارس 2026، في قراءة شاملة تعكس ديناميكية أوضح للنشاط الاقتصادي مقارنة بالفترات السابقة.
كنا فين؟ مرحلة تباطؤ مرتبطة بتحديات داخلية وخارجية
السنوات الماضية شهدت ضغوطًا أثرت على وتيرة النمو والإنتاج، حيث انعكست تداعيات الأزمات العالمية على سلاسل الإمداد وتكاليف التشغيل وتوفر بعض المدخلات. كما كان لارتفاع أسعار الطاقة خلال فترات سابقة أثر مباشر على قطاعات متعددة، فضلًا عن تحديات مرتبطة بالسيولة وتدفقات النقد الأجنبي.
إلى جانب العوامل الاقتصادية، لعبت التوترات الجيوسياسية دورًا في التأثير على قطاعات حيوية مثل حركة الملاحة والتجارة والاستثمار، وهو ما ظهر في تراجع معدلات النمو في فترات محددة. فعلى سبيل المثال، خلال الربع الأول من العام المالي 2024/2025 سجل الاقتصاد نموًا بلغ 3.5% فقط.
ومع استمرار برنامج الإصلاحات الاقتصادية والتحسن التدريجي في أداء عدد من القطاعات، بدأت المؤشرات ترسل إشارات إيجابية نحو تسارع النمو، وتحديدًا مع تحسن بيئة الأعمال وزيادة الطلب على بعض المنتجات والخدمات.
بقينا فين؟ تسارع النمو إلى 5.2% مع تحسن أداء قطاعات رئيسية
وفقًا للبيانات المتاحة، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 5.2% خلال أول 9 أشهر من العام المالي 2025/2026. وتأتي هذه النتائج بعد مؤشرات زادت من وتيرة التفاؤل، حيث سجل الاقتصاد نموًا بلغ 5% خلال الربع الثالث من العام المالي الجاري.
كما ارتفع النمو في الربع الأول من العام المالي 2025/2026 إلى 5.3%. ومع تكرار معدلات تفوق حاجز 5% عبر عدة فترات، تبرز دلالة واضحة على استعادة الاقتصاد لزخم النشاط، مع بقاء تحديات مرتبطة بتقلبات البيئة الإقليمية والسوق العالمي.
وتتوافق هذه الأرقام أيضًا مع توقعات صندوق النقد الدولي التي تشير إلى إمكانية تسجيل نمو يقارب 4.6% خلال العام المالي 2025/2026 بالكامل. ورغم أن هذا الرقم يظل مشروطًا بعوامل متعددة، إلا أنه يعطي إطارًا عامًّا لاستمرار التعافي.
الأرقام في سطور: مقارنة فترات تعكس اتجاهًا تصاعديًا
- الربع الأول 2024/2025: نمو بلغ 3.5%.
- الربع الأول 2025/2026: نمو ارتفع إلى 5.3%.
- الربع الثالث 2025/2026: نمو قدره 5%.
- أول 9 أشهر 2025/2026: متوسط نمو بلغ 5.2%.
وتشير القراءة أيضًا إلى تحسن ملحوظ في وتيرة النمو خلال بداية العام المالي الحالي مقارنة بالفترة نفسها سابقًا، بما يدعم فكرة أن التحسن ليس عابرًا بل يميل للاستمرارية.
من يقود النمو؟ الصناعة والسياحة والاتصالات والاستثمار الخاص
لم يكن ارتفاع النمو مرتبطًا بقطاع واحد فقط، بل جاء بدعم عدة قطاعات. فقد سجل قطاع الصناعة غير البترولية نموًا قويًا بلغ 14.5% خلال الربع الأول من 2025/2026، ما يعكس تحسنًا في الطلب المحلي وقدرة أعلى على التصنيع والتوريد.
كذلك حقق قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات معدل نمو بلغ 14.5% في الفترة نفسها، وهو مؤشر مهم على استمرار نمو الخدمات ذات القيمة المضافة ودورها في دعم الاقتصاد عبر التكنولوجيا والرقمنة.
أما قطاع السياحة فسجل نموًا قدره 13.8%، بما يعزز دوره كأحد مصادر العملة الأجنبية ورافد اقتصادي مؤثر على قطاعات مرتبطة مثل النقل والخدمات.
وفي تطور لافت، عاد نشاط قناة السويس إلى تسجيل نمو إيجابي بلغ 8.6%، وهو أول نمو إيجابي للقناة منذ الربع الثاني من 2023/2024. ويُعد هذا تطورًا مهمًا لكون القناة مرتبطة بتدفقات التجارة العالمية وبالقدرة على استيعاب فرص تحسين الإيرادات.
كما سجلت الاستثمارات الخاصة نموًا بلغ 25.9% خلال الربع الأول من العام المالي الحالي، حيث استحوذ القطاع الخاص على نحو 66% من إجمالي الاستثمارات المنفذة خلال تلك الفترة. ويُترجم هذا إلى دعم مباشر للقدرة الإنتاجية وخلق فرص تشغيل، خصوصًا إذا استمرت وتيرة الاستثمار وتنوعت مجالاته.
هل يستمر النمو فوق 5%؟ عوامل داعمة وضغوط محتملة
تُظهر الأرقام الحالية تحسنًا واضحًا في زخم الاقتصاد، لكن استدامة النمو المرتفع تتوقف على مجموعة عوامل مترابطة. في مقدمة هذه العوامل استمرار الإصلاحات الاقتصادية بما ينعكس على بيئة الأعمال وتكلفة التمويل ومرونة التشغيل.
كما يلعب دعم الإنتاج وزيادة تنافسية القطاع الخاص دورًا محوريًا، إضافة إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية وارتفاع قدرة الاقتصاد على جذبها عبر تحسن المؤشرات والسياسات.
ومن جهة أخرى، تظل السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس من المصادر الرئيسية التي تسند الاقتصاد وتدعم ميزان المدفوعات.
لكن تبقى تحديات قائمة، أبرزها احتمال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا واستمرار التوترات الإقليمية على سلاسل التوريد وحركة التجارة. لذلك، فإن الحفاظ على نمو مرتفع يتطلب توازنًا بين دعم القطاعات الإنتاجية وتخفيف المخاطر الخارجية.
الخلاصة: من أرقام نمو إلى أثر ملموس على الناس
الانتقال من نمو بلغ 3.5% في الربع الأول من 2024/2025 إلى نمو بلغ 5.3% في بداية 2025/2026، وصولًا إلى متوسط 5.2% خلال أول 9 أشهر، يوضح أن الاقتصاد بدأ يستعيد زخم التعافي. ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل النمو إلى فرص عمل وتحسن ملموس في مستوى المعيشة عبر استمراره ورفع مساهمة القطاعات الإنتاجية وزيادة كفاءة الاستثمار.
وبذلك، فإن المعادلة في المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط برقم النمو، بل بمدى قدرة الاقتصاد على بناء نمو أكثر استدامة وتوازنًا—قادر على الصمود أمام المتغيرات، وتقديم نتائج فعلية على أرض الواقع.

التعليقات