لم يَقِف فقدان البصر عند حدود المعاناة التي واجهها مارك مراد، بل تحوّلت التجربة إلى دافع حقيقي لإعادة تشكيل مساره الدراسي والمهني. بدلاً من الاستسلام لفكرة أن الحياة ستفقد معناها أو فرصها، قرّر مارك أن يواجه أصعب التحديات التي تعترض فاقدي البصر، وأن يحوّلها إلى مشروع تقني يخدم مجتمعه. ومن هنا بدأت رحلته نحو تعلم البرمجة من الصفر، وصولاً إلى ابتكار تطبيق “Scribe me” الذي يهدف إلى تمكين المكفوفين من التعامل بشكل أفضل مع المحتوى البصري.
## معاناة شخصية منذ المرحلة الثانوية
خلال حديثه مع والده المهندس مراد صدقي في برنامج “معكم منى الشاذلي” الذي تقدمه الإعلامية منى الشاذلي عبر شاشة ON، استعرض مارك تفاصيل بدايات الرحلة. أوضح أن المرحلة الثانوية كانت نقطة التحوّل الأولى؛ فقد واجه صعوبات نفسية وتعطّلًا في الروتين المعتاد، إذ شعر في البداية أنه فقد القدرة على متابعة تفاصيل كثيرة من يومياته. وعلى الرغم من أن الحياة لم تتوقف، إلا أن بعض الأنشطة التي كانت تمنحه المتعة تراجعت تدريجياً، مثل ألعاب الفيديو والخروج مع الأصدقاء، ليصبح الوقت أطول داخل المنزل، في انتظار طريقة لإعادة الإمساك بخيوط الدراسة.
## الاعتماد على نفسه في المذاكرة
ومع دخول الثانوية العامة، ازداد التحدي. فبينما كان والده يحرص على مساعدته بعد العودة من العمل، أدرك مارك أنه يريد استعادة استقلاله في الدراسة حتى لا يظل عبئًا مستمرًا على والده. لذلك بحث عن حل يساعده على فهم الدروس وتحصيل المعلومات بنفسه، خصوصاً مع تغيّر طرق الوصول إلى المحتوى نتيجة فقدانه للبصر.
## تحدّي المواد العلمية: الرسوم والمخططات
كانت المشكلة الأعمق في المواد العلمية، خصوصاً الفيزياء والكيمياء. فهذه المواد لا تعتمد على النص فقط، بل تعتمد بشكل كبير على الرسوم البيانية والمخططات والصور التوضيحية. وهنا ظهرت فجوة واضحة: قارئات الشاشة التقليدية قد تساهم في قراءة النصوص المكتوبة، لكنها غالباً لا تقدّم وصفاً دقيقاً لما يوجد داخل الرسومات أو كيفية تفسيرها. وفي كثير من الأحيان كانت تكتفي قارئات الشاشة بقول “صورة”، وهو ما يجعل الطالب فاقد البصر أمام معلومات ناقصة لا تساعده على فهم الفكرة العلمية.
## قرار تعلم البرمجة من الصفر
أمام هذا التعقيد، اتخذ مارك قراراً حاسماً: تعلم البرمجة بنفسه. ورغم أنه لم يكن يملك خبرة سابقة، إلا أنه بدأ من نقطة الصفر بالاعتماد على مصادر متاحة مثل الدروس التعليمية عبر “يوتيوب” والبحث المتواصل عبر “جوجل”. كان هدفه واضحاً: بناء حل تقني يترجم المحتوى البصري إلى معلومات مفهومة، بحيث يحصل الطالب على “وصف” يساعده على الاستيعاب بدلاً من الاكتفاء بلفظ عام مثل “صورة”.
## التعلم دون رؤية الشاشة
كانت الرحلة أصعب مما يتوقعه أي متعلم، لأن مارك كان يتعلّم ويطبّق الأكواد دون القدرة على رؤية شاشة الكمبيوتر. ومع ذلك واصل التجربة والتعديل خطوة بخطوة، مستفيداً من الصبر والملاحظة والاختبار المتكرر حتى بدأ بتكوين أساس الحل البرمجي الذي يحتاجه. هذا النوع من الإصرار لم يقتصر على البرمجة فقط، بل امتد أيضاً إلى فهم احتياجات الاستخدام الفعلي لفاقدي البصر داخل بيئة التعلم.
## ساعات طويلة من العمل حتى الفجر
بحسب ما كشفه مارك، كانت ساعات التعلم والبرمجة طويلة للغاية. في بعض الأيام استمر في العمل حتى الثالثة أو الرابعة فجرًا قبل الاستعداد للمدرسة صباح اليوم التالي. ومع الوقت، لم تعد البرمجة مجرد “هواية” أو محاولة تجاوز ظرف صعب، بل تحولت إلى مشروع حياة: كيف يمكن تحويل المعرفة التقنية إلى أداة تساعد الآخرين على فهم ما يعجزون عن الوصول إليه بصرياً.
## إضافة جديدة: ماذا يحتاجه المكفوفون فعلاً عند التعامل مع الرسومات؟
ولكي يكون الحل مفيداً حقاً، لا يكفي أن يقوم التطبيق بقراءة النص الموجود داخل الصورة فقط، بل يحتاج أيضاً إلى ترجمة عناصر الرسم إلى دلالات واضحة، مثل:
– تفسير المخطط أو الرسم البياني بشكل يشرح المحاور والاتجاهات والقيم بشكل مفهوم.
– توضيح العلاقات بين العناصر (مثل المنحنيات أو الأسهم أو توزيع النقاط) بطريقة تساعد المستخدم على بناء تصور ذهني.
– تقديم وصف منظم للرسوم التوضيحية بدل الوصف العام غير المفيد.
– دعم سيناريوهات تعليمية متنوعة، خصوصاً في المواد التي تعتمد على الرسوم مثل الفيزياء والرياضيات والكيمياء.
## نحو تطبيق يخدم التعليم والإتاحة
يأتي تطبيق “Scribe me” كامتداد لهذه الفكرة: تزويد فاقدي البصر بوسيلة تساعدهم على تجاوز عائق المحتوى البصري في الدراسة، والانتقال من مرحلة الاكتفاء بالقراءة إلى مرحلة الفهم. فبدلاً من أن يكون الطالب أسير نقص المعلومات التي لا تصل إليه عبر قارئات الشاشة، يصبح لديه أداة تقرّب المعنى وتساعده على إدراك تفاصيل الرسوم والمخططات.
وبذلك، لم تكن رحلة مارك مراد مجرد قصة نجاح شخصية، بل نموذجاً لما يمكن أن تفعله التكنولوجيا عندما تُصمَّم من داخل احتياجات المستخدم نفسه. لقد تحولت المعاناة إلى منهج، والصدمة إلى مشروع، والإعاقة إلى بداية طريق نحو الابتكار.

التعليقات