التخطي إلى المحتوى

لم يمنع فقدان البصر الشاب مارك مراد من الاستمرار في طريقه الدراسي، بل جعله يعيد التفكير في طريقة الوصول إلى المعرفة. بدلاً من أن تتحول الصعوبات إلى عائق دائم، تحولت إلى نقطة انطلاق ابتكارية قادته إلى تعلم البرمجة والعمل على تطوير تطبيق يساعد المكفوفين على فهم المحتوى البصري، خصوصًا ما يرتبط بالرسوم البيانية والمخططات التي تمثل تحديًا كبيرًا داخل المواد العلمية.

بداية الرحلة: معاناة داخل الصف

خلال حديثه مع والده المهندس مراد صدقي في برنامج «معكم منى الشاذلي» عبر شاشة ON، سرد مارك تفاصيل الرحلة التي بدأت من لحظات صعبة داخل الفصل الدراسي. في تلك المرحلة، كان عليه أن يوازن بين متطلبات الدراسة وبين واقع يعتمد على السمع واللمس بدلًا من الرؤية.

ووفقًا لما ذكره، بدأ اتخاذ قرارات عملية مبكرًا؛ فخلال السنة الثالثة من المرحلة الثانوية حاول الاعتماد على نفسه في المذاكرة قدر الإمكان، ليس فقط لتعزيز فهمه، بل أيضًا لتخفيف العبء على والده الذي كان يعود من عمله في نهاية اليوم مرهقًا.

العائق الأكبر: الرسوم البيانية والمخططات الهندسية

مع تقدم الدراسة ظهرت مشكلة أكثر تعقيدًا: بعض المناهج، خاصة في الفيزياء والكيمياء، تعتمد على الرسوم البيانية والمخططات الهندسية والمعادلات المصوّرة. هذه العناصر غالبًا لا تُقدَّم بشكل نصي مباشر، بل كرسومات تحمل دلالات تحتاج إلى تفسير بصري، وهو ما يجعلها شديدة الصعوبة للطلاب المكفوفين إذا لم تتوفر لها بدائل مناسبة.

لم تكن المشكلة في حفظ الدروس فقط، بل في “فهم التمثيل البصري” نفسه: ما معنى المنحنى؟ ماذا تشير المحاور؟ كيف تقرأ الرسمة خطوة بخطوة؟ وكيف تميّز بين أجزاء المخطط المختلفة؟

قصور أدوات قراءة الشاشة أمام المحتوى البصري

أوضح مارك أن برامج قراءة الشاشة المتاحة في تلك الفترة لم تكن كافية لتقديم المعلومات التي يحتاجها. ففي حال وجود رسم أو مخطط، كثيرًا ما تكتفي هذه البرامج بالإشارة إلى وجود «صورة» دون شرح التفاصيل الموجودة داخلها أو تفسير ما تمثله. أحيانًا قد يحصل الطالب على وصف عام، لكن ذلك لا يكفي لقراءة محتوى علمي مليء بالتفاصيل والرموز والعلاقات.

وهنا ظهرت الفجوة بين احتياج الطالب الكفيف وبين ما تقدمه الأدوات الحالية من عرضٍ محدود. كانت النتيجة أن الوصول للمعلومة يصبح أصعب، وأن الوقت المطلوب للفهم يصبح أطول بكثير من زملائه المبصرين.

البحث عن حل: تعلم البرمجة وبناء طريقة جديدة للفهم

بدلاً من الاستسلام لهذه الفجوة، قرر مارك البحث عن بديل يترجم المحتوى البصري إلى معلومات مفهومة. فبدأ تعلم البرمجة بنفسه، ساعيًا للوصول إلى حل يعتمد على تحويل الرسومات والمخططات إلى مخرجات تساعده على الفهم—سواء عبر وصف منظم للمكونات أو تقديم شرح يعتمد على ترتيب منطقي للبيانات.

ومن خلال التجربة والتطوير المستمر، تحوّل التفكير من مجرد “حل شخصي” إلى رؤية أوسع: كيف نجعل الرسوم البيانية والمخططات أكثر قابلية للوصول لجميع المكفوفين، وليس لمارك وحده فقط؟

من المشكلة إلى الابتكار: تطبيق يخدم الجميع

مع مرور الوقت، تحولت التحديات التي واجهها مارك في دراسته إلى دافع للابتكار. بدأ يفكر في تطوير أداة تكنولوجية تستهدف مشكلة تعليمية واقعية لدى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية. الهدف الأساسي ليس فقط عرض محتوى قابل للوصول، بل تقديم تجربة تعليمية أكثر استقلالية ووضوحًا.

وتكشف تجربة مارك أن الابتكار لا ينشأ دائمًا من فكرة مجردة؛ أحيانًا يبدأ من موقف يومي صعب. وعندما تُصاغ المشكلة بشكل تقني، يمكن للنتيجة أن تتجاوز صاحبها لتتحول إلى مشروع يحمل بعدًا إنسانيًا ويعزز حق الوصول للمعرفة.

أهمية توسيع الوصول للمحتوى العلمي

يشير هذا النوع من المشاريع إلى اتجاه مهم في التكنولوجيا الحديثة: إتاحة المحتوى العلمي بشكل يعادل تجربة المتعلم المبصر قدر الإمكان. فبدون أدوات مناسبة للرسوم والمخططات، قد يفقد الطلاب المكفوفون فرصة فهم جزء كبير من المنهج، ما يؤثر في تحصيلهم ويحد من قدرتهم على المنافسة.

كما أن تحسين الوصول للمحتوى البصري قد ينعكس أيضًا على جوانب الحياة اليومية، مثل فهم خرائط الإرشاد، أو قراءة الرسوم التوضيحية في التعليمات، أو التعامل مع معلومات تعتمد على المخططات.

التكنولوجيا كوسيلة للاستقلال

في النهاية، تلخص قصة مارك مراد درسًا مهمًا: عندما تتحول المعاناة إلى فكرة ابتكارية، قد تصبح التكنولوجيا جسرًا حقيقيًا للتمكين. فمشروعه لا يهدف فقط إلى حل مشكلة دراسية، بل إلى دعم استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وتمكينهم من التعامل بشكل أفضل مع المحتوى البصري—سواء داخل الفصل الدراسي أو خارجه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *