يرى الدكتور باسم يوسف، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، أن المرحلة الحالية تفرض على الصناعة المصرية الانتقال من الاعتماد على السوق المحلية إلى بناء قاعدة إنتاجية متقدمة قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية. ويؤكد يوسف أن مفتاح نجاح التوسع الخارجي يتمثل في تعميق التصنيع المحلي ورفع القيمة المضافة، بما ينعكس على جودة المنتج وقدرته على جذب المستوردين واستمراره في الأسواق.
وفي مداخلة هاتفية ببرنامج «مساء DMC»، مع الإعلامي أسامة كمال، شدد يوسف على أن دعم الصادرات لا يرتبط فقط بزيادة حجم الإنتاج، بل يرتبط كذلك بقدرة المصانع على تطوير منتجاتها ورفع مستويات الجودة، وزيادة نسبة المكون المحلي داخل المنتج النهائي. فالمستوردون في الأسواق العالمية لا ينظرون إلى السعر وحده، بل إلى مدى مطابقة المنتج للمواصفات الفنية، وثبات الجودة خلال الدفعات المتعاقبة، والقدرة على الوفاء بالتزامات التوريد.
## الصناعة ركيزة للنمو المستدام
وأشار يوسف إلى أن تطوير الصناعة يعد أحد المسارات الأساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام. وتستند تجارب الدول الصناعية الكبرى إلى فكرة أن قوة الاقتصاد ترتبط بامتلاك قطاع صناعي قادر على إنتاج سلع ذات قيمة مضافة أعلى. لذلك، شدد على ضرورة تبني رؤية طويلة الأجل بدلًا من التركيز على مكاسب سريعة. فالمنافسة العالمية تتطلب استثمارًا متواصلًا في خطوط الإنتاج، وخطط التحسين، وتطوير المنتجات، وليس الاكتفاء بنشاط تصديري متقطع أو قائم على ظروف سوق مؤقتة.
وأوضح أن الاستمرار في تطوير المنتج وتحسين كفاءة الإنتاج يفتح أمام الشركات المصرية المجال للتوسع في الخارج، ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة المنافسة الدولية. كما أن الاستثمار في قدرات التصنيع يجعل الشركات أقل عرضة لتقلبات أسعار المواد الخام ويعزز قدرتها على إدارة تكاليفها وتحسين هامش الربح.
## تغيير عقلية “التصدير” من فرصة إلى استراتيجية
ولفت يوسف إلى أن رفع الصادرات يحتاج أيضًا إلى تغيير ثقافة بعض المنتجين تجاه الأسواق الخارجية. فالتصدير يجب أن يصبح جزءًا من استراتيجية الشركة وليس مجرد فرصة للاستفادة من حالات عرض وطلب عابرة. ويتطلب ذلك التخطيط المسبق للجودة والالتزام، ودراسة الأسواق المستهدفة، وبناء قنوات بيع وتعاقدات واضحة.
وأكد أن دخول الأسواق العالمية يتطلب التزامًا صارمًا بمعايير الجودة والمواصفات الفنية، إلى جانب القدرة على الوفاء بمتطلبات التعبئة والتغليف، والالتزام بمواعيد التسليم، لأن هذه العوامل تُبنى عليها الثقة طويلة المدى مع المستوردين. وأوضح أن المنتج المصري الذي يجمع بين جودة مرتفعة وسعر تنافسي وموثوقية في التوريد ستكون أمامه فرص أكبر للحفاظ على مكانته والتوسع تدريجيًا.
## السوق الأمريكي فرصة واختبار للجاهزية
اعتبر يوسف أن السوق الأمريكي يمثل أحد الأسواق الواعدة للصناعة المصرية، مع وجود مزايا تنافسية يمكن البناء عليها. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تظل مرتبطة بتطوير القدرات الإنتاجية وزيادة مرونة المصنع لتلبية متطلبات المستهلكين في السوق المستهدفة. كما شدد على أهمية تطوير المنتجات بما يتوافق مع احتياجات المستوردين، والالتزام بالاشتراطات والمعايير المطلوبة.
وأبرز أن الوصول إلى الأسواق الكبرى لا يتحقق بمجرد امتلاك منتج “قابل للتصدير”، بل يحتاج إلى قدرة مستمرة على توفير الكميات المطلوبة، والحفاظ على مستوى ثابت من الجودة، والوفاء بالتزامات التعاقد. فالتعامل مع الأسواق الكبيرة غالبًا ما يتضمن اختبارات جودة ومراجعات دورية، وأي تذبذب في الجودة أو التأخير في التسليم قد يؤدي إلى خسارة العملاء.
## القيمة المضافة تعزز القدرة على المنافسة
وشدد عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات على أن تعميق التصنيع المحلي يتجاوز مجرد رفع نسبة المكون المصري، إذ يخلق قيمة اقتصادية أكبر داخل البلاد ويدعم سلاسل الإنتاج المحلية. كما يساعد على تحسين عوائد الشركات من صادراتها عبر تحويل المنتجات من مراحل بسيطة إلى منتجات أكثر تعقيدًا وقيمة.
وأكد أن تطوير مراحل التصنيع بدلًا من الاكتفاء بتصدير منتجات منخفضة القيمة المضافة يمثل خطوة مهمة لتعزيز مكانة الصناعة المصرية عالميًا، خصوصًا مع شدة المنافسة بين الدول على الأسواق الدولية. وأوضح أن زيادة القيمة المضافة تمنح المنتج المصري فرصة للتميز بعيدًا عن منافسة قائمة فقط على خفض السعر، وهي منافسة غالبًا ما تضع الشركات تحت ضغوط مستمرة وتحد من قدرتها على التوسع.
## الجودة والالتزام عاملان حاسمان للاستمرار
يرى يوسف أن نجاح أي خطة لزيادة الصادرات يتطلب تقديم الجودة على باقي الأولويات. فالسوق العالمي لا يبحث فقط عن منتجات بسعر مناسب، بل عن مورد قادر على الحفاظ على جودة المنتج ومعايير الخدمة طوال فترة التعامل. كما أن بناء سمعة المنتج المصري في الخارج يحتاج وقتًا والتزامًا متكررًا بالمواصفات، بينما قد يؤدي أي إخلال بالمقاييس أو عدم الالتزام بمواعيد التسليم إلى فقدان الأسواق والعملاء.
وفي ختام حديثه، أكد أن الصناعة المصرية أمام فرصة حقيقية للتوسع عالميًا إذا تم توجيه الجهود نحو زيادة الاستثمار في التصنيع المحلي، ورفع القيمة المضافة، وتحسين الجودة، وبناء خطط تصديرية طويلة الأجل تستهدف الأسواق الكبرى وعلى رأسها السوق الأمريكي. كما دعا إلى اعتماد نهج مؤسسي لدى المصانع يضمن الاستدامة في الإنتاج والالتزام المستمر بالمتطلبات الفنية والتعاقدية.

التعليقات