التخطي إلى المحتوى

لم تعد الإشاعات مجرد معلومات عابرة تظهر للحظات على شاشاتنا ثم تختفي، بل أصبحت محركات لتغيرات عميقة في عالم المعلومات الرقمي. قد تبدأ الشائعة بمنشور قصير أو فيديو مجهول المصدر، لكنها تفتح الباب لتدفقات من المعلومات المتناغمة، مما قد ينتهي بمحاصرة المستخدم في دائرة معلوماتية ضيقة تتوافق مع ميوله وتوجهاته، تاركة تأثيرًا كبيرًا على تصوراته للواقع.

خلال كلمته في احتفالية المولد النبوي الشريف، حذر الرئيس عبدالفتاح السيسي من خطورة فوضى المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، مشيرًا إلى ضرورة فهم التحديات المعلوماتية التي واجهت مصر خلال العقود الماضية. هنا تبدأ الأسئلة حول كيفية وصول المعلومات، سواء كانت صحيحة أو مضللة، إلى المستخدم وما الدور الذي تلعبه الخوارزميات في تشكيل هذا المسار.

كيف تعمل الخوارزميات؟

الخوارزميات لا تفكر ولا تصدر أحكامًا مثل البشر، لكنها تعمل على تحليل سلوك المستخدمين. على سبيل المثال، خوارزميات يوتيوب تعتمد على إشارات مثل سجل المشاهدة، عمليات البحث، الإعجابات، والتفاعل مع توصيات الفيديوهات. بالنسبة للمنصة، مشاهدة فيديو عن نظرية مؤامرة لا يعني أنك تؤمن بها، بل يعني فقط أن هذا النوع من المحتوى جذب انتباهك. تكرار التفاعل مع هذا المحتوى يوفر المزيد من البيانات للخوارزمية لتقديم توصيات أكثر دقة واتساقًا مع اهتماماتك.

من الشائعة إلى التطرف: سلسلة وليست قفزة

طريق التحول من محتوى عادي إلى محتوى متطرف ليس خطيًا، لكنه يكشف عن مسار ديناميكي. تبدأ بسلسلة بسيطة: محتوى مثير للاهتمام، يتبعه محتوى مشابه، ثم أكثر تخصصًا أو تطرفًا. أظهرت إحدى الدراسات المنشورة في Internet Policy Review أن تفاعل الحسابات مع محتوى يميني متطرف على يوتيوب زاد من تعرضها لمحتوى أكثر هامشية أو تطرفًا. ومع ذلك، لم تظهر الأنماط ذاتها بالطريقة نفسها على منصات مثل Reddit، مما يشير إلى اختلاف تأثير الخوارزميات بين منصات التواصل.

العلاقة بين الخوارزميات والمستخدمين

في البداية، يتحكم المستخدم بشكل كامل في اختياراته: البحث، التفاعل، والمشاهدة. لكن بمرور الوقت، تتغير العلاقة؛ الخوارزمية تُعيد تشكيل التجربة بناءً على البيانات التي يجمعها النظام عن المستخدم. وهكذا تنشأ حلقة تغذية راجعة تجعل المحتوى المقترح أكثر تخصيصًا. وجدت دراسة في Journal of Public Economics أن إعطاء وزن أكبر للتفاعلات مثل الإعجاب والمشاركة يدفع انتشار المعلومات المضللة والاستقطاب، خصوصًا عندما تكون الحسابات المتطرفة أكثر نشاطًا.

التفاعل العاطفي وقوة المحتوى المشحون

الخوارزميات لا تصدر أحكامًا على خطورة المحتوى، بل تركز على مدى تفاعلك معه. المحتوى الذي يثير مشاعر قوية مثل الغضب أو الخوف أو الصدمة غالبًا ما يكون أكثر قابلية للانتشار، لأنه يزيد من التعليقات والمشاركة والمشاهدات. أظهرت دراسة نشرت في PNAS Nexus أن نظام الترتيب القائم على التفاعل على منصات مثل تويتر/إكس أظهر ميلًا لتعظيم ظهور المحتوى المشحون عاطفيًا والعدائي، مقارنة بأنظمة الترتيب الزمنية.

جانب أكثر تعقيدًا: التفاعل بين المستخدم والنظام

رغم خطورة الخوارزميات، فإن الأبحاث لا تقدم دليلًا على أن الجميع يتحولون إلى التطرف بسببها. دراسة أجريت على 100 ألف حساب تجريبي على يوتيوب أظهرت أن تأثير الخوارزميات مرتبط بسلوك المستخدمين أنفسهم؛ حيث ازدادت التوصيات السياسية تطرفًا فقط للحسابات التي أظهرت ميلًا واضحًا لذلك.

الرواية الأكثر دقة تطرح أن الخوارزميات تعكس وتضخم ميول المستخدم، لكنها ليست العامل الوحيد. تفاعل الأشخاص المستمر مع محتوى محدد يؤدي إلى تضييق بيئة المعلومات، مما يجعل الأصوات المخالفة تختفي تدريجيًا لصالح تكرار نفس الروايات.

الحلول الممكنة

للحد من تأثير الخوارزميات، يمكن اتخاذ خطوات مثل زيادة الشفافية حول كيفية عمل التوصيات، تمكين المستخدمين من التحكم في نوعية المحتوى الذي يتعرضون له، وتعزيز توعية الأفراد حول كيفية التعاطي النقدي مع المعلومات الرقمية. تجارب مثل إعادة ضبط إعدادات التوصيات أو توفير خيارات تتيح اكتشاف محتوى مغاير قد تساهم في إعادة التوازن إلى منصات التواصل الاجتماعي.

في النهاية، العلاقة بين المستخدم والخوارزمية ليست علاقة ثابتة أو أحادية الاتجاه. التفاعل المستمر بين الجانبين يخلق ديناميكية تؤثر في كل منهما، مما يجعل الحل يتطلب وعيًا فرديًا وتغييرات في تصميم المنصات لضمان عدم انزلاق المستخدمين في مسارات معلوماتية خطيرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *