حقق علماء إنجازاً مذهلاً في أبحاث الدماغ، حيث نجحوا في إبقاء أدمغة بشرية مصغرة مزروعة في المختبر على قيد الحياة لمدة تصل إلى 7 سنوات، وهو إنجاز غير مسبوق يتفوق على الرقم القياسي السابق البالغ أقل من عامين. ويُعرف هذا الابتكار، المسمى بـ”العضيات الدماغية”، بأنه مجموعة صغيرة من أنسجة المخ البشري تُزرع في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية، وغالبًا لا يتجاوز حجمها حجم حبة الفلفل.
وعادة ما تعيش هذه العضيات بضعة أشهر فقط، إلا أن البحث الجديد، الذي نُشر في مجلة Nature، كشف أن خلايا العضيات يمكن أن تتطور وتخضع لعملية شيخوخة شبيهة بتلك التي تمر بها خلايا الدماغ البشري. وقال الباحثون إن هذه العضيات رغم بساطتها وعدم امتلاكها وعيًا أو قدرة على التفكير، إلا أنها تحتفظ بآثار مراحل تطورها الخلوي السابقة، مما يفتح أبوابًا لدراسات مهمة لفهم نمو الدماغ.
نموذج بيولوجي لدراسة الدماغ
توفر العضيات الدماغية نموذجًا بيولوجيًا حيويًا لدراسة تطور الدماغ والأمراض التي تصيبه. ونظرًا لأن الدماغ البشري يستغرق عقدين تقريبًا للوصول إلى مرحلة النضج الكامل، فإن تطوير عضيات قادرة على البقاء لعدة سنوات يُعد خطوة كبيرة إلى الأمام. سيسمح ذلك للعلماء باكتشاف التغيرات الطارئة على الدماغ خلال فترات زمنية أطول ودراسة أمراض عصبية تظهر تدريجيًا.
ومن الجدير بالذكر أن العلماء استخدموا تقنيات تحلل “الساعات الجينية” لتحديد مدى تقدم هذه العضيات في العمر، وتبين أن خلاياها تمر بمراحل مماثلة لما تمر به خلايا الدماغ البشري. وأكدت البروفيسورة باولا أرلوتا من معهد هارفارد للخلايا الجذعية أن الدراسة تشير إلى إمكانية استمرار الدماغ بالتطور خارج الجسم لفترة غير مسبوقة.
تجارب مذهلة تُبرز إمكانيات جديدة
في إحدى التجارب التي وصفها العلماء بـ”المجنونة”، قام الباحثون بدمج خلايا من عضيتين دماغيتين مختلفتي الأعمار، إذ بلغ عمر الأولى أسبوعين فقط بينما كانت الأخرى تبلغ عامين. النتائج كانت مفاجئة، حيث أظهرت الخلايا الأصغر سناً تطورًا طبيعيًا، في حين انخرطت الخلايا الأكبر سنًا في عملية تطور متقدمة بشكل أسرع بكثير من المعتاد، لتنتج خلايا عصبية جديدة خلال مدة قصيرة.
وأوضح فريق الدراسة أن هذه الظاهرة قد تساعد في كشف آليات التحكم في نمو الخلايا العصبية وفهم التأثيرات الجينية والبيئية على تطور الدماغ.
أمل جديد لفهم الأمراض العصبية
تتيح العضيات الدماغية طويلة العمر فرصة لدراسة أمراض واضطرابات عصبية مثل التوحد والفصام والاضطرابات العصبية المرتبطة بالشيخوخة مثل الزهايمر وباركنسون. وتساعد هذه العضيات في اختبار علاجات جديدة بسرعة أكبر مقارنة بالانتظار حتى ينضج الدماغ البشري. علاوة على ذلك، استخدم العلماء العضيات في تجارب مبتكرة، بما في ذلك دراسة تأثير انعدام الجاذبية في نمو الدماغ خلال تجارب على متن محطة الفضاء الدولية.
العمر الافتراضي للعضيات: تحديات وحدود
رغم التقدم المحقق، لا يزال العلماء غير متأكدين تمامًا من الحد الأقصى للعمر الذي يمكن أن تصله العضيات الدماغية. يشير الباحثون إلى أن غياب الجسد الذي يصاب بالأمراض والشيخوخة قد يجعل من الممكن إطالة عمر العضيات بمستويات غير مسبوقة، ولكن يبقى تحديد ذلك مجرد توقعات تستدعي المزيد من البحث.
في النهاية، يُعد هذا الإنجاز خطوة كبيرة نحو فهم أسرار الدماغ وتطوير علاجات جديدة للأمراض العصبية، مما يعزز الأمل في تحسين حياة ملايين المرضى حول العالم.

التعليقات