قال الدكتور محمد الشوادفي، الخبير الاقتصادي، إن ارتفاع الدين العام الأمريكي خلال السنوات الأخيرة لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة عوامل متراكمة داخلية وخارجية أدت إلى بلوغ الدين مستويات غير مسبوقة.
وأكد الشوادفي أن الولايات المتحدة كانت طرفًا رئيسيًا في عدد من الأزمات العالمية خلال السنوات الماضية، مثل جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والأوضاع في غزة، والتطورات المرتبطة بإيران. ونتيجة لذلك، ارتفعت وتيرة الإنفاق الحكومي على نحو متسارع لتغطية احتياجات الطوارئ، وتمويل السياسات الاستثنائية، ودعم مسارات الاستجابة للأزمات، بما انعكس مباشرة على اتساع نطاق الاقتراض.
وأوضح أن قرارات خفض الضرائب التي شهدتها فترات رئاسية مختلفة—سواء بهدف دعم النشاط الاقتصادي أو جذب الناخبين—أثرت على حجم إيرادات الدولة، خصوصًا عندما حدث خفض الضرائب بالتزامن مع استمرار ارتفاع الإنفاق. ووفقًا لهذا المنطق، فإن أي تراجع في الإيرادات مع بقاء الإنفاق على مستويات مرتفعة يخلق فجوة مالية تتحول تدريجيًا إلى عجز مزمن، ثم إلى دين متزايد.
وأشار الخبير إلى أن ارتفاع العجز دفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في مراحل متعددة إلى رفع أسعار الفائدة، وهو ما أسهم في زيادة كلفة التمويل على الحكومة وعلى القطاعات المختلفة. كما أن ارتفاع الفائدة لا ينعكس داخل الولايات المتحدة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي عبر قناة الدولار والعوائد وسلوك المستثمرين، ما يؤثر في معدلات النمو ويخلق ضغوطًا على الأسواق المالية والائتمانية.
وفي السياق نفسه، شدد الشوادفي على أن الإنفاق العسكري يُعد من أبرز محركات تضخم الدين الأمريكي، لا سيما مع اتساع نطاق مشاركة واشنطن في صراعات وأزمات دولية في السنوات الأخيرة. وأوضح أيضًا أن ارتفاع تكاليف برامج الضمان الاجتماعي والدعم الداخلي يضيف ضغطًا إضافيًا على الموازنة العامة، لأن هذه البرامج ترتبط جزئيًا بالاحتياجات الديموغرافية ومستوى المعيشة وتكاليف الرعاية.
ولتعميق الصورة، أضاف أن الدين العام لا يتضخم فقط بسبب حجم العجز سنويًا، بل أيضًا بسبب “تكلفة خدمة الدين” التي ترتفع عندما تزيد الفائدة أو عندما يتطلب تجديد الديون إصدار سندات بعوائد أعلى. وبالتالي، قد يستمر العبء حتى بعد انتهاء جزء من الضغوط قصيرة الأجل، لأن هيكل الدين قائم على دورات تمويل متكررة.
وأكد أن تأثير السياسات المالية الأمريكية وسعر الفائدة يمتد عالميًا عبر تدفقات رأس المال، وتغيرات أسعار الصرف، وتكاليف الاقتراض في الاقتصادات الأخرى، ما يجعل الدين الأمريكي عاملًا مؤثرًا في الاستقرار المالي العالمي. وفي المحصلة، يشير الشوادفي إلى أن التعامل مع هذا التحدي يتطلب مقاربة تجمع بين ضبط المسار المالي ومرونة السياسات النقدية واحتواء عوامل الإنفاق المتنامية.

التعليقات