يؤكد محمد العواد، نائب مدير مركز دراسات حضارات الإسكندرية، أن التراث الثقافي المغمور بالمياه يُعد أحد أهم مكونات التراث الإنساني؛ فالبحر، وفقًا لرؤيته، ليس مجرد مساحة جغرافية بل «جزء مهم جدًا من تاريخ الإنسانية» ظل لقرون طويلة يحمل آثارًا وسرديات حضارية كاملة. ومن خلال هذا النوع من التراث، يمكن للباحثين والمهتمين التعرف على فصول جديدة من تطور الحضارات المختلفة، وفهم العلاقات التجارية والثقافية التي ربطت الشعوب عبر البحر.
وخلال مداخلة في برنامج «صباح جديد» المذاع على قناة القاهرة الإخبارية، أوضح العواد أن مصر بادرت إلى منظمة اليونسكو عبر كرسي اليونسكو للتراث الثقافي المغمور بالمياه بجامعة الإسكندرية، برئاسة الدكتور عماد خليل، وبالتعاون والدعم من وزارة الخارجية واليونسكو. وبيّن أن اليونسكو اعتمدت المبادرة العام الماضي، ليتم هذا العام الاحتفال بأول يوم عالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه. وأكد أن الإسكندرية—إلى جانب مكتبة الإسكندرية—تُعد المكان الأنسب لإطلاق الفعالية، لما تمثله من مركز علمي ومعرفي وتاريخي يلتقي فيه البحث والتوعية والمجتمع.
وأشار العواد إلى أن «إعلان الإسكندرية» يمثل خطوة جوهرية لتعزيز الشراكات الدولية وبناء إطار داعم للتعاون في حماية هذا الإرث. كما شدد على ضرورة الالتزام بحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه وتوثيقه بشكل منهجي، لأن هذا التراث يواجه تحديات متزايدة؛ من أبرزها تأثيرات التغيرات المناخية، وارتفاع درجات حرارة البحار، وتزايد الكوارث البحرية، إضافة إلى أخطار بشرية مثل عمليات الصيد غير المنظم والاعتداءات على المواقع الأثرية تحت الماء، وما قد ينتج عنها من تلف أو ضياع لمعالم تاريخية نادرة.
ولفت نائب مدير مركز دراسات حضارات الإسكندرية إلى أن دور مكتبة الإسكندرية لا يقتصر على الحفظ أو التوثيق فقط، بل يمتد إلى التوعية وبناء الوعي العام لدى الأجيال الجديدة. فالكثيرون—بحسب قوله—لا يعرفون قيمة هذا التراث ولا تفاصيله، ولا يدركون أنه يخزن معلومات علمية وتاريخية يمكن أن تسهم في إثراء المعرفة الإنسانية، سواء عبر الدراسات الأثرية أو الروايات التي يحملها الغوص في المواقع الغارقة.
وتابع أن الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه لا ينبغي أن يكون مناسبة رمزية فحسب، بل فرصة لتوسيع برامج التوثيق والرقمنة، وتشجيع الدراسات المشتركة بين الجامعات ومراكز البحث، ودعم مبادرات التدريب المتخصص للغواصين والباحثين على أساليب توثيق الآثار البحرية وحمايتها. كما يمكن أن تسهم الفعاليات المقامة في ترسيخ ثقافة المسؤولية المجتمعية تجاه البحر، بوصفه مستودعًا للذاكرة الحضارية ومصدرًا للتعلم والبحث.
بذلك، تُقدَّم الإسكندرية—ومكتبتها العريقة—كمحطة انطلاق لرسالة واضحة: البحر نافذة يمكن من خلالها قراءة تاريخ الحضارات، وحمايته وتوثيقه واجب دولي يتطلب تعاونًا مستمرًا بين المؤسسات العلمية والثقافية والجهات الحكومية والمنظمات الدولية.

التعليقات